غزة | أقيم في غزة، وصديقي منذر يقيم في رام الله. الفيس بوك العظيم كسر كل الحواجز المكانية، حدسي أنبأني بأنّ ملامحه الكنعانية تنتمي إلى عالمي. تحدّثنا عبر وسائل التواصل المتاحة حتى تقاربنا كثيراً، عانقت كاميرا الويب البلاستيكية لأجله مرّات. أمس، كسّرتها لقطع صغيرة جداً، فقد مللت ملامسة أزرار الكيبورد ومعانقة الشاشة المضيئة، مللت وشيش الهاتف حين يحادثني، مللت تخيّل ملامحه، شكل شارع بيته، وجوه جيرانه. وهو ظلّ يتمنى قرباً وشيكاً بيننا، أن نلتقي ذات يوم أن أن ...، كأنّه في المريخ وأنا كوكب نبتون بذاته! كأننا لسنا فلسطينيين تجمعنا رقعة أرض واحدة!


في الحقيقة، منذر يهمّني جداً، ولكن الأساس هنا قصة احتلال شرّدنا عن كل شطورنا منذ الـ 48، الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 ردّ عليها الاحتلال بالفصل بين الشطرين. مع دخول عهد السلطة الوطنية عام 1994، زاد الفصل بواسطة تصريح دخول إلى المنطقتين يوافق عليه أمنياً أولاً من قبل إسرائيل، ثم من الجهة الفلسطينية. في ظل حكومة حماس، زاد التشديد شيئاً فشيئاً، الانقسام زاد الطينة بلّة وأصبحت علاقات التواصل الاجتماعية بين الضفة وغزة محدودة جداً، بل إنّ الانقسام كرّس فكرة أنّ الضفة لحزب سياسي هو «فتح»، وقطاع غزة لحزب سياسي هو «حماس». مسألة التواصل الاجتماعي الإنساني بين الشطرين باتت منعدمة، وتحولت إلى نزاع سياسي زرع الضغينة والكره بين الأهل وأصحاب الوطن الواحد، في وقت لم ينتبه فيه أحد لما حصل من غربة وشوق بينهما، الغربة ذاتها بيني وبين منذر وكل أصدقائي الذين أحب أن أتواصل معهم هناك على نحو
طبيعي.
وعلى حين غفلة، جاءتنا «المصالحة». وكما يُقال سيصبح لنا رئيس واحد، لا اثنان، مجلس تشريعي واحد، لا اثنان، هيهات ... منذر بشّرني بأنّ الموعد اقترب، وأن اللقاء لم يعد بعيداً مثلما كان. فهل أفرح لأنّ وحدتهما العتيدة ستخفف من حدّة التصاريح ولن تكلف منذر رحلة طويلة يبدأها من الضفة إلى الأردن، ثم إلى مصر، فغزة كي يرتشف معي فنجان قهوة في مقهى يطل على بحر يفتقده في ضفته؟ وأنّه حين عودته إلى بيته لن يعاني رحلة رأس رجاء صالح أخرى تبدأ من غزة إلى مصر، ثم إلى الأردن، فالضفة الغربية؟
لا، لن أقبل هذه المهزلة، مهما حاولت يا منذر أن تقنعني باللقاء في بلد أجنبي يسمح لنا بالتواصل الحقيقي: أن أراك وتراني، أن نتمشى جنباً إلى جنب في شارع واحد، أن أسمع صوت ضحكتك وتسمع صراخي نقيّاً حين أغضب! فلنترك هذا يحصل قريباً على أرضنا، وإلى حينها فلنتعلل بالفيس
بوك.
ما أضيق العيش لولا كاميرا الويب التي حطمتها في بداية المقال.