بعد أحدث جولة عنف بين الجيشين السوري والتركي على الحدود المشتركة بينهما، والتي تمثلت في القصف السوري الذي أودى بحياة خمسة أتراك، وردّ الجيش التركي بالمثل، ما فاقم من خطورة الوضع العسكري بين البلدين، أعطى وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو تعليمات عاجلة إلى آخر سفير تركي في دمشق قبل القطيعة بينهما، عمر انهون، للبدء باتصالات سريعة مع كلّ سفراء الدول المعتمدة في أنقرة، لوضعها في صورة الموقف التركي الرسمي من تطورات الأحداث العسكرية، وأيضاً، بغرض جعل هذه الدول تسارع إلى إبداء أعلى درجات التأييد لتركيا في موقفها من سوريا.


موقف مصر نموذجاً

يروي دبلوماسي عربي لـ«الأخبار» قصة هذه الاتصالات التركية التي قادها انهون طوال ليل الرابع من الشهر الجاري لغاية اليوم السادس منه. ويلاحظ أنّ الدبلوماسية التركية في حملتها هذه تقصدت، بشكل أساسي، توجيه عناية خاصة في اتصالاتها إلى سفراء الدول العربية في أنقرة، وأيضاً إلى زعمائها ووزارات خارجيتها، وبدرجة ثانية تمّ توجيه الاهتمام في هذه الاتصالات إلى الدول الإسلامية، ومن ثمّ الدول الغربية. وتفسير ذلك يمكن إيجاده في كلام مندوب تركيا لدى حلف «الأطلسي» الذي تحدث قبل شهرين، في اجتماع نيويورك، حيث أكد أنّ أنقرة بحاجة إلى غطاء عربي ومن ثم إسلامي فيما لو فكرت في القيام بأيّ إجراء عسكري، سواء كان محدوداً أو كبيراً ضد سوريا لوقف نشاطها الخاص بتشجيع حزب العمال الكردستاني بالعمل من أراضيها، أو للردّ على أيّ نوع من العمل العسكري انطلاقاً من سوريا ضد تركيا، أو في حال جرى التفكير في إنشاء منطقة عازلة في المنطقة السورية القريبة من الحدود التركية. ويقول الدبلوماسي العربي إنّ هذا الترتيب الذي أنشأته أنقرة في توجيه اهتمامها إلى الدول المطلوب إطلاعها على الموقف التركي إزاء تأزم الموقف العسكري مع سوريا، عكس أيضاً رغبة أنقرة في إنشاء أوسع تحالف عربي متضامن معها، بخصوص بدء تنفيذها لقرار البرلمان التركي الذي خوّل الجيش اتخاذ ردود عسكرية تتناسب مع ما سمّي «تعديات عسكرية سورية» على الأراضي التركية. ولكن الدبلوماسي العربي يرصد أنّ أنقرة لم تكن مرتاحة لتباطؤ ردود الفعل العربية المؤيدة لقصفها العسكري، بدليل أنّ انهون خلال اتصالاته بالسفراء العرب، أبلغهم شكر حكومة بلاده العالي لموقف جمهورية مصر العربية التي سارعت إلى إدانة القصف السوري على الأراضي التركية. وطلب انهون من بقية الدول العربية أن تحذو حذو مصر ورئيسها محمد مرسي.

رواية أنقرة للقصف

وضمن الاتصالات عينها، التي أجراها، ركّز انهون، الذي أصبح منذ ترك سوريا أبرز أعضاء خلية الأزمة السورية في ديوان وزارة الخارجية التركية، على شقين في حملته الدبلوماسية: الشقّ الأول عرض تفسير حكومة أنقرة لعمليات القصف المدفعي التركي للأراضي السورية، وأسبابه اللوجستية وما حققه من نتائج. وعلى هذا الصعيد، علمت «الأخبار» التفاصيل الأساسية عن سير القصف التركي كما عرضها انهون لمحادثيه الدبلوماسيين العرب والإسلاميين، إذ زعم أنّ كل مذكرات الاحتجاج السابقة التي أرسلتها تركيا إلى دمشق وتحذيراتها لها من مغبة استمرارها في خرق سيادة الأراضي التركية لم تعط نتيجة، بل استمر القصف السوري المتقطع. وقدم انهون لائحة بيانية بهذا القصف، تفيد بأنّه منذ يوم 20 أيلول الماضي حتى اليوم الرابع من الشهر الحالي، أصبح القصف السوري على الأراضي التركية يحصل بمعدل أربع إلى خمس قذائف في اليوم الواحد. ومع كل قصف كانت الخارجية التركية ترفع رسالة تحذير لسوريا، وفي كل مرة كان جواب دمشق أنّ مصدر القصف هو قوات المعارضة، وأنّها غير مسؤولة عن ذلك. ولكن الاستخبارات التركية كانت تعرف بالتحديد أن مصدر إطلاق النار هو مواقع عسكرية سورية تابعة للجيش النظامي. وحينما حصل القصف السوري الذي أوقع خمسة قتلى، أخطرت الاستخبارات التركية حكومة أنقرة، ليس فقط بمكان الموقع السوري النظامي العسكري الذي أطلقت النار منه، بل أيضاً بنوع السلاح الذي استخدم في القصف، وهو سلاح روسي (howitzer من عيار 122 ملم)، ولا تملكه المعارضة.
وتدّعي الرواية التركية أنّها قصفت هذا الموقع، ومواقع أخرى، وأنه نتج من القصف خسائر فادحة بين الجنود السوريين في هذه المواقع، وأنّ أنقرة فضّلت عدم الإفصاح عنها رغم أنها تمثّل نموذجاً عن قدرات الجيش التركي في أيّ مواجهة مقبلة مع سوريا. وتزعم الرواية التركية، كما نقلت إلى الدبلوماسيين العرب، أنّه إثر هذا القصف، اضطر الجيش السوري إلى الانسحاب من مواقعه التي كان يستخدمها في القصف منذ 20 أيلول إلى مواقع أبعد من خط العمق السوري المقابل للأراضي التركية الحدودية.

تحليل تركيا للتصعيد

في الشق الثاني الذي قدمته الرواية التركية الرسمية عن أحداث القصف الأخيرة، احتوى على تقدير موقف أنقرة السياسي لما جرى، وللسلوك العسكري والسياسي الذي ستتبعه خلال المرحلة المقبلة بخصوص كيفية تعاطيها مع دمشق ومع عمليات القصف السوري، إن تجددت على أراضيها.
وأبرز نقاط هذا التقدير تفيد بالآتي: «إن قصف الجيش السوري للأراضي التركية كان متعمّداً، وإنّ أنقرة خلصت إلى تقدير موقف يفيد بأنّ سوريا لا تفهم إلا لغة القوة». ولكن أنقرة أكدت عبر انهون للدبلوماسيين الذين شملتهم الاتصالات، وفي محادثات على مستوى أعلى بين القيادة التركية وزعماء عرب وإسلاميين، أنّ «التفويض الذي منحه البرلمان التركي للحكومة بإرسال قوات تركية عسكرية إلى خارج الحدود، لا يمثّل إعلان حرب على سوريا، لكنّه إجراء اضطرت أنقرة إلى اتخاذه لحماية سيادتنا وسلامة أراضينا ومواطنينا، وسنستخدمه كلما دعت الحاجة إلى ذلك»، وأنّ القصد السياسي منه هو «أنّه لن يعود هناك سكوت أو عدم رد فعل تركي على أي تطاول من سوريا على السيادة التركية». وقدم تقدير الموقف التركي عينه تحليل أنقره للدوافع التي جعلت دمشق تتمادى في قصف الأراضي التركية، وحددتها بثلاث نقاط؛ الأولى أنّ دمشق فسّرت سياسة ضبط النفس التركي حيال عمليات القصف السابقة بشكل خاطئ، وأنّها ستبقى بدون عقاب. الثانية أنّ تقاعس مجلس الأمن عن فرض عقوبات على النظام السوري على مدى عمر الأزمة سبب جوهري لتماديه في شنّ اعتداءات، ليس فقط على تركيا، بل أيضاً على لبنان والأردن. ثالثاً، أنّ إصرار كل من موسكو والصين على حماية موقف النظام السوري في مجلس الأمن أدى دوراً أيضاً في جعل ممارسته تتحوّل من خطر على شعبه إلى خطر على الدول المجاورة له».

رسائل سوريّة

في السياق (يو بي آي)، أكد سفير سوريا السابق لدى تركيا، نضال قبلان، أنّ أنقرة تلقّت رسائل قوية كفيلة بردع من يفكر في حماقة عسكرية ضد بلاده، مشدداً على أنّه لا أحد يتحمل نتيجة مواجهة عسكرية شاملة في المنطقة، لأنّ الحديث «هو عن حرب عالمية ثالثة». ورأى قبلان، في حديث تلفزيوني، أنّ «ما فعلته سوريا هو ردّ فعل طبيعي على خطوات الحكومة التركية في الآونة الأخيرة، خاصة عملية القرصنة لطائرة الركاب المدنية السورية، وهي خطوة التعامل بالمثل، وسوريا تنتهجها دائماً في سياستها الخارجية».
وأكد قبلان أنّ «سوريا لا تسعى إلى التصعيد مع أحد، ولكن إذا تصرفت أيّ حكومة بطريقة غير قانونية أو مضرّة ومسيئة فسيجري اتخاذ إجراء مماثل». وشدّد على أنّ «سوريا لم تقم بأي انتهاك على الحدود، بل على العكس. فمنذ بداية الأزمة وما قبلها، وقّعت دمشق اتفاقيات استراتيجية شاملة مع تركيا لضمان أمن الحدود، واعترف الكثير من المسؤولين الأتراك، ومنهم الأمنيون، بأن سوريا تتعاون أكثر من أي دولة في العالم في مسألة ضبط الحدود ومكافحة الإرهاب، فيما يعلم الجميع الآن أنّه يومياً تهرّب عبر الحدود التركية مجموعات مسلحة وأسلحة». وتعليقاً على الحشود العسكرية التركية التي تمّ نشرها أخيراً، قال قبلان «نأمل أن تكون هذه الحشود عاملاً مساعداً لتستطيع تركيا أن تضبط حدودها وتوقف تهريب المسلحين والأسلحة. أما إذا كان ذلك يعتبر احتمالاً لشنّ حرب على سوريا، فلا أحد يستطيع، لا تركيا ولا غيرها، أن يتحمل نتيجة مواجهة عسكرية شاملة في المنطقة. وهنا نتحدث عن حرب عالمية ثالثة». وأشار إلى أنّ هناك «رسائل قوية وصلت إلى أنقرة، وخصوصاً من روسيا وإيران، كفيلة بردع أيّ صقور في الحكومة التركية قد يفكرون في حماقة مثل هذه».




توقيف طائرة أرمنيّة


أعلن نائب رئيس الوزراء التركي، بولنت أرينج، أن سلطات بلاده أعطت الإذن للطائرة الأرمنية التي هبطت في مطار أرزروم لإكمال رحلتها إلى حلب، بعد توجيه أمر لها للهبوط لتفتيشها.
ونقل موقع «أرمينيان نيوز» عن مدير شركة الخطوط الجوية الأرمينية، أرسين أفيتسيان، قوله إن الطائرة التي تحمل شحنة مساعدات إنسانية هبطت في مطار تركي للخضوع لفحص روتيني بموجب اتفاق مسبق مع السلطات التركية. ونقلت صحيفة «حرييت» التركية عن مصادر دبلوماسية أن الطائرة تحمل مساعدات إنسانية إلى سوريا. وأضافت المصادر أن الطائرة أثناء طلبها إذناً بالعبور في المجال الجوي التركي، سمح لها بذلك شريطة إجراء التفتيش التقني عليها، فأجبرت بذلك على الهبوط في مطار أرزروم.
(يو بي آي)