تونس | بعد مشاركة الرئيس المؤقت والرئيس الشرفي لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية، محمد المنصف المرزوقي، ورئيس المجلس الوطني التأسيسي الأمين العام لحزب التكتل من أجل العمل والحريات، مصطفى بن جعفر، أمس، في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر الحوار الوطني الذي دعا له الاتحاد العام التونسي للشغل، يمكن القول إن ائتلاف الترويكا الحاكم في تونس قد انفرط عقده.

فخلافاً لما كان منتظراً، اختار حزب «التكتل من أجل العمل والحريات» «الانسحاب» عملياً من ائتلاف الترويكا، بعدما وافق على المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني، الذي انطلق صباح أمس في قصر المؤتمرات وسط العاصمة التونسية خلافاً لشريكيه في الحكم حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية.
حركة النهضة تمسكت بعدم المشاركة في هذا المؤتمر لسببين حددهما رئيس كتلة النهضة في المجلس التأسيسي، الصحبي عتيق. وهما مشاركة حزب نداء تونس ومطالبة بعض النقابيين بحل حزب حركة النهضة إثر تسريب شريط مصور لزعيم الحركة، راشد الغنوشي. إلا أن رئيس الحكومة حمادي الجبالي حضر بصفته الرسمية الحكومية.
حزب المؤتمر أيضاً لم يشارك، بعدما اعترض على مشاركة نداء تونس، فيما استجاب حزب التكتل لدعوة الاتحاد. وكان خطاب أمينه العام، رئيس البرلمان، مصطفى بن جعفر واضحاً في تأكيد الوحدة الوطنية والتوافق، وتفعيل آليات العدالة الانتقالية لتحقيق المصالحة التي ينشدها الجميع لتوفير ضمانات النجاح للانتقال الديموقراطي. وتجمع اليوم الطبقة السياسية في تونس على أن هذا الانتقال مهدد بفعل تنامي لغة خطاب العنف والتخوين وأزمة الثقة بين كل الأطراف، سواء في الحكم أو المعارضة.
ويجمع مؤتمر الحوار الوطني، الذي انطلق أمس، نحو خمسين حزباً تونسياً، إلى جانب المنظمات مثل الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة (منظمة الأعراف) والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والعمادة الوطنية للمحامين واتحاد الفلاحين. كذلك تشارك فيه مجموعة من الجمعيات الحقوقية والشخصيات الوطنية من بينها الزعيم التاريخي للمعارضة التونسية، أحمد المستيري، الذي ألقى كلمة شدد فيها على ضرورة التمسك بالإسلام الوسطي والاعتدال والتوافق.
التوافق نفسه شكل مطلباً مشتركاً في جميع المداخلات التي ألقيت أمس، حيث شدد الجميع على ضرورة التوافق على خريطة طريق للخروج من النفق والوضع، الذي يكاد يكون مأسوياً، والذي وصلت إليه البلاد والمفتوح على كل الاحتمالات.
هذا المؤتمر ينطلق من أرضية أعدها الاتحاد العام التونسي للشغل ستُناقَش بين كل القوى المشاركة في الحوار الوطني، التي تعمل على التمسك بمدنية الدولة والنظام الجمهوري ومكاسب دولة الاستقلال ونبذ العنف واحترام حقوق الإنسان. كذلك تجتمع هذه القوى على أهمية ضمان الحريات وتكريس ثقافة المواطنة والقطع مع منظومة الاستبداد وتحييد الإدارة والمساجد والمؤسسات الاقتصادية والتعليمية والثقافية، فضلاً عن اعتبار مؤسسات الدولة الضامن الوحيد والمسؤول عن تطبيق القانون وحماية المؤسسات والممتلكات والمواطنين وصياغة منوال تنموي جديد.
هذه الأرضية تدعو أيضاً إلى التوافق على موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية وتركيبة الهيئة العليا للانتخابات وهيئة القضاء العدلي، إلى جانب هيئة الإعلام السمعي البصري والنظام السياسي والقانون الانتخابي وإصلاح المنظومة الأمنية والبنكية وشفافية الانتداب في الوظيفة العمومية.
وجاء التقاء كل الأطراف حول مبادرة الاتحاد العام التونسي للشغل وغياب حزب النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحركة وفاء، المنشقة عنه، بمثابة إعلان مشهد سياسي جديد في تونس سمته الرئيسية عزلة النهضة وحليفها المؤتمر في المجلس التأسيسي، وهو ما سيؤثر حتماً على المناخ السياسي وعلى التحالفات، ولا سيما بعد مشاركة الرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي، مؤسس حزب المؤتمر ورئيسه الشرفي. ويبدي الأخير حرصاً واضحاً على أداء دور تعديلي في مناخ الاحتقان الذي تعيشه تونس. أما مصطفى بن جعفر، فبات واضحاً أنه يريد أن يكون له دور أكبر بصفته رئيساً للمجلس الوطني التأسيسي، السلطة العليا في البلاد خارج مظلة النهضة التي أقصت نفسها عن الحوار الوطني. هذا الإقصاء ستكون له تداعيات خطيرة على علاقاتها مع الأطياف السياسية، ولا سيما بعد تعدد القضايا ضد رئيسها ومطالبة بعض النواب والحقوقيين والنقابيين والجامعيين بحل الحركة.