قدسيّا | جنود لطفاء يقفون عند الحاجز الأول في الطريق إلى قدسيّا. كُتب على الحائط خلفهم عبارة: «لا نطلب الرحمة من أحد، لأننا في يوم من الأيام لن نرحم أحد»، موقّعة باسم «رجال الله»، ما يجعل المرء يتأمل المعنى الغريب للعبارة المكتوبة أو جدوى وجودها. للوصول إلى قدسيّا في حال اختيار طريق الربوة، لا بدّ من المرور عبر منطقة دمّر التي شهدت بدورها توتّراً خلال الأيام الماضية، أسوةً بالهامة وقدسيا. وهُناك، ودون المرور بدمر البلد، تبدو الحياة شبه طبيعية على اعتبار أن الأطفال العائدين من مدارسهم يضفون قليلاً من الأمان على حال المنطقة التي يخيم عليها هدوء حذر.


تلوح من بعيد بساتين قدسيا، التي شهدت أحداثاً دامية، ويبدو جامع الصحابة خالياً من أي آثار تخريب وإحراق، على عكس غالبية أحياء المنطقة التي ترتفع عن سطح البحر نحو 914 متراً. أثر وحيد وطفيف على قبة الجامع يلوح من بعيد، يدلّل على عدم استهدافه أصلاً، كما الجامع العمري وسط قدسيا. وقد لعب إمام جامع الصحابة، الشيخ عدنان أفيوني، بحسب السكان، دوراً هاماً في الهدنة التي ظلت قائمة طيلة أشهر، قبل أن يحسم الجيش السوري الأمر خلال ثلاثة أيام، و«يطهّر» المنطقة من مقاتليها. ويكثر الحديث عن مشايخ عراقيين تدخلوا من أجل الهدنة، بحكم تواجد الكثير من العراقيين في المنطقة، إلا أنهم هربوا لاحقاً.
تبدو الحياة طبيعية في حي الشركس، أحد أكبر أحياء قدسيا، فهو لم يُستهدف أيضاً من قبل أي من الأطراف. ولم يشترك الشراكسة في الأحداث، رغم المحاولات الكبيرة لجرّهم للانضمام إلى الثورة، كما لم يدخل الجيش الحر الحيّ أبداً. حتى أن عدداً غير قليل من الشبان الشركس هاجروا إلى روسيا تاركين البلدة لصراعات من فيها.
محمد، أحد السكان الجولانيين المقيمين في حي النازحين في قدسيا، يروي أن حاجزاً للجيش الحر استوقفه، قبل دخول الجيش السوري، مع بناته على الطريق بين الهامة وقدسيا، طالباً بطاقته الشخصية. وعند السؤال عن طائفته سُمح له بالمرور، ولا سيما أن بناته محجبات. أمرٌ يوضح أن الجولانيين المقيمين في قدسيا كانوا مستهدفين خلال الأحداث الأخيرة، وذلك على خلفية طائفية. إذ اتُّهم النازحون، من الطائفة المحسوبة على موالاة النظام، بالتعامل مع الجيش وقوات الأمن.



ويُلاحظ استهداف النازحين الجولانيين على أساس طائفي، وهو ما تثبته المتابعة الدائمة لصفحات التنسيقيات، على الرغم من محاولة بعض أبناء الجولان من المشاركين في اللجان الشعبية حقن الدماء في منطقتهم. أمرٌ لا يعترف به الطرف الآخر، إذ اتّهم أحد السكّان اللجان الشعبية بالقيام بأعمال حرق وسرقات، وصولاً إلى تنفيذ مجزرة ذهب ضحيتها 8 أشخاص قبيل دخول الجيش بعدة أيام، وهو ما أفرغ أحياء قدسيا الحاضنة للجيش الحر من سكانها، وحوّلها إلى أرض أشباح.
في بساتين قدسيا، حيث آثار إحراق في معظم المحال التجارية، لا تواجد بشرياً في المكان، فيما يبدو بوضوح مبنى سجن الأحداث خالياً من أي آثار لمحاولات اعتداء أو تخريب، بينما تم استهداف مبنى البلدية بالقرب من ساحة قدسيا، وتكسيره عدة مرات. وكذلك تمت مهاجمة قسم الشرطة في منطقة الثورة بشكل شبه يومي وتخريبه. بالإضافة إلى الاستيلاء على مشفيَي البدر بمنطقة الجمعيات والعامري عند قوس قدسيا، والذي تم تحويله إلى ما يشبه الثكنة العسكرية.
لم تخرج قدسيا عن سلمية تظاهراتها حتى الشهر الخامس، بعد تفجير سيارة مفخخة في الثامن من حزيران الفائت. استهدفت السيارة قسم الشرطة وباصات مبيت القوى الأمنية المتمركزة بالقرب منه. وفي الجمعة التي تلت التفجير، بتاريخ 15 حزيران، تم استهداف المخفر بقذائف آر بي جي، ثم بدأ الجيش الحر ينتشر علناً في شوارع قدسيا، ومنذ اليوم الأول لانتشاره قصف حي «الورود» بقذائف الهاون مخلّفاً قتيلين وجريحاً واحداً، كما قصف حيّ «النازحين»، باعتبارهما «مستوطنات» لأبناء الطائفة الموالية.
وفي حين يشير أحد العناصر الأمنية إلى القبض على ستة إسرائيليين وقتل اثنين منهم يقاتلون في صفوف الجيش الحر، بالإضافة إلى 25 ليبياً أصبحوا في قبضة الجيش، فإن حسن، أحد السكان المحايدين العائدين إلى بيوتهم والذي كان مرافقاً في الرحلة، يعتبر أن الحديث عن وجود إسرائيليين لا يعدو كونه شائعات إمعاناً في تخوين كل طرف للآخر. ويضيف: «رأينا أشخاصاً ملتحين يسألون المارة عن طوائفهم، وخاصة أهل الجولان. كما شاهدنا أعلام قطر والسعودية ترتفع في التظاهرات».
يوضح حسن أن الأموال التي صُرفت على المعارضة المسلحة هي التي تسببت بدخول بعض أبناء عائلات قدسيا للقتال بين صفوف الجيش الحر، ما جعل بعض العائلات تدعم وجود عناصر الجيش الحر في البلدة، من أمثال عائلات: الغندور ورزمة وحليمة ورستم. ولا يبرر الشاب ممارسات القوى الأمنية التي استفزت البعض، بالإضافة إلى عدم محاسبة بعض أفراد اللجان الشعبية الذين قاموا بممارسات مخلّة، مرتدين بزّات عسكرية، ما جعل الأمر يختلط على الناس ليتهموا عناصر الجيش بذلك.
من يدخل قدسيّا يُلاحظ موقعها المحاصر بالمراكز العسكرية من جميع الجهات، ما يثير التساؤلات حول جدوى تحصن عناصر الجيش الحر فيها. فمن الجنوب يحدّها حي الورود الموالي ومساكن الحرس الجمهوري، ومن الشمال جبل الورد ولواء تابع للحرس الجمهوري أيضاً، ومن الغرب ضاحية قدسيا ومن خلفها منطقة الصبورة، وفيها عدة قطع عسكرية، أما من الشرق فتحدها دمشق. إلا أن أحاديث عن اعتبارها الحاجز الأول بين ثلاثة حواجز فاصلة عن القصر الجمهوري قد يفسّر طريقة تفكير من اختارها للتصعيد العسكري ضد النظام.



وقوع المدينة بين مناطق عسكرية لم يمنع تسرب السلاح إليها، وبكميات كبيرة، ولا سيما في ظل انفتاحها على منطقة الهامة، ومهادنة النظام لعناصر المعارضة المسلحة فيها. فقد تم بعد دخول الجيش العثور على مخازن للأسلحة تحوي 300 مدفع هاون لم يستخدم بعد. وإن عُرِف عن أهل المناطق الريفية امتلاكهم للسلاح ومعرفتهم في أساليب الحصول عليه عند الحاجة، فإن هذا سيفسّر سر دخول السلاح بهذه الكميات الكبيرة إلى قدسيا وما حولها، ليصل الأمر إلى حد توزيع السلاح علناً بأكياس «الخيش» في ساحة البلدة للأهالي المتعاونين مع «الثورة».
بحسب حسن، الشاب المحايد، فإن أكثر من حارب في قدسيا هم ثوار الزبداني، الذين ملأوا الجدران في مرحلة سابقة بعبارات من نوع: «ثوار الزبداني أصبحوا هُنا». وحتى بعد إعلانها منطقة آمنة، لا يزال سكان قدسيا يسمعون يومياً رشقات رصاص متفرقة مع ضبط عناصر الجيش والقوى الأمنية لمخازن أسلحة وكتب تحمل عناوين تشير إلى فكر تنظيم القاعدة، بشكل شبه يومي.
«معظمهم ملثّمون. هكذا بدأ ظهورهم»، كما يقول زياد، أحد الشبان المتواجدين في الساحة. فمنذ الشهر السادس وبداية المظاهر المسلحة، ظهر ملثمون في شوارع قدسيا طالبين من السكان عبر مكبرات الصوت إفراغ الطوابق العليا من المباني حرصاً على سلامتهم، وهو ما رفضه بعض الأهالي بعدما تم استخدام تلك الطوابق للقنص وإطلاق القذائف على الأحياء المجاورة، لتنتشر أخبار لاحقة عن سقوط مئة قتيل من عناصر من الجيش الحر خلال شهر واحد، خلال تبادل إطلاق القذائف مع الجيش. بالإضافة إلى القبض على أربعين مسلحاً هارباً من الخالدية وبابا عمرو إثر استهدافها من الجيش السوري.
يفسّر البعض عدم نيّة الجيش الدخول إلى البلدة طوال أشهر بسبب الاختلاط الطائفي الكبير والمعقّد، ورغبة أهلها بحلّ الأمور سلمياً لقناعتهم بأن الحرب ستأتي على أرزاقهم. ويرى حسن أن وجود عناصر مسلحة من خارج قدسيا أدى إلى صعوبة إيجاد حل سلمي، فلم يقبل هؤلاء بتسليم سلاحهم لـ«عدم اهتمامهم بضرورة حقن دماء أهل البلدة».
أكثر المحال التجارية المستهدفة بعد سيطرة الجيش الحر على منطقة وسط قدسيا، هي محالّ بيع المشروبات الكحولية، ولا سيما بعد إحراق عناصر الجيش الحر في بداية انتشارهم لمعمل تصنيع البيرة الحكومي الشهير «بردى» والأشجار المحيطة به، حيث اختلطت حجج مثل هذه الأعمال ما بين تطبيق الشريعة الإسلامية وبين استهداف أي مؤسسة تعود ملكيتها للدولة، وتجلى ذلك بتفجير محوّل الكهرباء في نفس التاريخ أيضاً.
في ساحة البلدة، تبدو آثار التخريب على أشدها. وعليه بدأت البلدية بحملة كبيرة لتنظيف الشوارع وإزالة آثار الدمار وسط حماية عسكرية مشددة. كما باشر موظفو مؤسسة الكهرباء بدورهم مهمة إعادة التيار الكهربائي إلى قدسيا. الحضور العسكري هُنا كبير، والعيون تترقب أي حركة مريبة. بينما حركة السير خفيفة ولا تخلو من أصحاب المحلات الذين بدأوا أعمال الصيانة والتصليح أمام أعين المارّة، التي تتفقد بفضول آثار الخراب المخيّمة على المكان. أما الحرائق فأتت على قسم كبير من الجامع العمري الذي كان قيد البناء وسط قدسيا، ما أثار حنق المتعاطفين مع الثورة ضد الجيش السوري.
أما في منطقة الجمعيات، تظهر آثار التخريب واضحة بقسوة، إذ إن الجيش الحر استولى على إحدى الشقق التي بدت اليوم سوداء من الداخل، بينما آثار الدمار على المباني من حولها تشرح ضراوة المعارك القائمة خلال الفترة الماضية، وسط الحديث عن اعتقالما يقارب 42 مقاتلاً من الإسلاميين في المكان، بعضهم أجانب. أما في ما يتعلق بالمخطوفين، فإن معظمهم من حي الورود والنازحين وجبل الورد بالهامة. وقد تمت تصفية غالبية هؤلاء، بحسب الأهالي. بالإضافة إلى تناقل أحاديث حول العثور على مركز لتعذيب المعتقلين في المركز التجاري في ساحة البلدة.




منطقة آمنة

يشرح حسن تفاصيل انتشار الجيش بشكل مفاجئ في قدسيا وبأعداد مكثفة، فيقول: «استمرت الاشتباكات في حي الجمعيات ست ساعات متواصلة، بينما القصف يتواصل على أماكن تمركز الجيش الحر، ولا سيما حول الشقة التي استولى عناصره عليها وأماكن أُخرى». وبحسب الشاب الذي حرص على إعطاء معلومات حيادية، فإن انقطاع التيار الكهربائي استمر طوال 24 ساعة، ما أدى إلى مغادرة الأهالي للبلدة إذ تأكد الجميع من عدم إمكانية البقاء وسط المعارك القائمة.
«لم تستمر العملية العسكرية طويلاً»، يقول حسن: «دخل الجيش البلدة يوم الأربعاء وأعلن سيطرته على منطقتي قدسيا والهامة يوم الجمعة. في حين أعلنت قدسيا منطقة آمنة يوم السبت. وفور عودة التيار الكهربائي إلى بعض المناطق بدأ سكان حي الجمعيات بالعودة إليه ليتبعهم سكان بقية الأحياء».
مصادر إعلامية خاصة تحدثت عن وقوع خسائر للحرس الجمهوري بما يقارب 25 عنصراً، إلا أن العملية العسكرية انتهت سريعاً ليعلن الجيش قدسيا منطقة آمنة. بينما هي ليست آمنة كلياً إذ ما زالت التحذيرات تسبق الدخول إلى بعض الأحياء.