أوسلو | فى أوسلو، ستسألني صديقتي الصينية ببراءة عن اسم فلسطين على الخريطة، سأشير لها بالقلم بابتسامة واثقة، لكنني سرعان ما سأرتبك وأنا أشرح لها لماذا اسم ذلك الجزء الصغير الملوّن فى الخريطة هو «إسرائيل»؟ سأستعين بقاموس صغير للكلمات التي لن أجدها، سأحرّك يداي بشكل مسرحيّ، سأرسم على الورق أسماء وتواريخ وتوضيحات، لكنّها ستهزّ رأسها علامة على عدم الاستيعاب، وستتساءل بمزاح بعدها عن موقع بيتي على الخريطة، وتخمّن ماذا صنعت أمي للغداء! وسأقول في سرّي: وحدها الطائرة «الزنّانة» تعرف ماذا طبخت أمي اليوم.


في أوسلو، تقول مُدرّسة اللغة النرويجيّة بغباء «لن يصير سلام في الشرق الأوسط إلا عندما يكفّ هؤلاء ـــ أي نحن ـــ عن رمي الحجارة والصواريخ على إسرائيل»! وكلّما حاولتُ التعليق ستدير ظهرها وتقول بأن مناقشاتنا السياسية ممنوعة في الصفّ!
أمّا السلام في أوسلو، فهو أن يجلس يهودي على طاولة مقابلة في مطعم فلسطينيّ ويطلب «الخمّص» والفلافل ويقول بأنه... تراثنا المشترك.
السلام هو أن أجد برتقالاً وتمراً كُتِب عليه بخطٍ عريض «صنع في فلسطين»، وفلسطين هنا حيلة إسرائيلية لتسويق منتجاتها خلال موجات المقاطعة الشعبية لها. هكذا تصير إسرائيل فلسطين فقط عندما تريد إسرائيل تمويه نفسها، وهكذا سيرتاح ضمير المتضامنين وهم يشترون الاسم. أما دعاة السلام؟ فسيشترون ما كُتب عليه «صنع في فلسطين» أو «صنع في إسرائيل» معاً.
في أوسلو، سيخرج فلسطينيون وإسرائيليون بوجوه عابقة ونحنحات حانقة من قاعة سينما واحدة، سيرتدون معاطفهم الأنيقة ويتصنّعون الابتسامات والأحاديث، سيتحججون بإنسانيتهم وحياديتهم بما أنهم يقيمون في بلد أوروبيّ حر، بعيداً عما يسمّونه «منطقة النزاعات» التي ذكّرهم بها الفيلم، بمخرجه الإسرائيلي وممثّليه الفلسطينيين.
في أوسلو أيضاً، ستسألني زميلة إيرانية من طراز أوروبي عن عاصمة فلسطين، سأتردد قبل أن أقول القدس، وسأقع في مأزق الشرح مرة أخرى عن التقسيمات والخرائط والاتفاقيات، قبل أن تُنهي كل ذلك بقولها: كيف؟ أليست هي نفسها عاصمة إسرائيل! ومنذ ذلك التعارف القصير، ستبتسم لي كل يوم بلطف ُمبالغ، ومن ثَم ستدعوني إلى فنجان قهوة في بيتها، سنتحّدث عن كعك عيد الميلاد، عن الطقس والصوف والأطفال، هكذا لن تعود كلتانا إلى التحدث عن السياسة والعواصم. وهكذا يمكن أوسلو المدينة أن تترجم أوسلو الاتفاقيّة، من دون عناء حفظ بنودها والخوف من سؤال في امتحانٍ مدرسيّ عنها.
أمّا معنى السلام، فكان واضحاً في الصفحات الفارغة التى كانت تفاجئنا في كتب الجغرافيا والتاريخ المدرسية، حذفاً للمواد الوطنيّة لا خللاً في الطباعة، وفي مساعدات الأونروا الغذائيّة التى كُتب على أغلفتها «السلام يبدأ هنا».