اليرموك | وصلت متأخراً عشر دقائق، كان الجميع قد احتل موقعه في زوايا الصالة الصغيرة، وقد طفقوا يتحدثون بصوت خافت تناثرت اصداؤه في الجو. الجميع يستعد: الطلبات «شاي، قهوة، نسكافة» توزع على الطاولات، و النارجيلة حاضرة بانتظار «النارة» التي يقوم احد العاملين بتلويح «المجمر» يميناً ويساراً كرقاص الساعة لتصبح حمراء. هنيهات وتنطفئ الأضواء وتبدأ الشاشة بعرض صورة مقدمة الفيلم، لكن الأصوات ما زالت موجودة! يتدخل أسامة: «شباب؟ بمعيتكو. بس شوية هدوء؟». يعم الهدوء وينطلق العرض السينمائي لفيلم «هلأ لوين؟».

كانت المرة الأولى التي أشاهد فيها هذا الفيلم. وكان بطريقة ما، متناسباً مع الأزمة المتصاعدة في سوريا. كان واضحاً أن رسالته قد وصلت إلى الحضور، فقد «عكس مخاوف الجميع من تحول الصراع الدائر في البلاد إلى حرب طائفية» كما قال احدهم. بدأ بعض الحضور بالمغادرة في حين عكف آخرون على إعادة ترتيب الصالة. احدهم يقوم بازالة جهاز العرض الضوئي. في الزاوية المقابلة، تجمع عدد من الشبان والصبايا يتحدثون و يضحكون، وبحركة مفاجئة يحمل احدهم، علي مصلح، العود ويأخذ بالعزف والغناء بمشاركة الجميع. خلال ثوانٍ، تحولت مجموعته إلى جوقة غنائية صغيرة اضافت بعداً جديداً للمكان. كنت واقفاً «مدهوشا» اتابع كيف تم الانتقال من دار عرض صغيرة إلى مقهى، وكأنهما كانا شيئين منفصلين، وكيف تشكلت واستمرت نبضات الحياة بايقاع جديد في هذا المكان الذي يطلق عليه اسم «جدل كافيه».
أربعة شبان من مخيم اليرموك هم: محمد، ماهر وادهم موعد، ورابعهم اسامة موسى، جمعتهم الفكرة وانطلقوا لتحقيقها. هدفهم تأسيس «مكان» في المخيم يُقدم فيه محتوى ثقافي وفني متنوع، بطابع مستقل عن المراكز الشبابية «الفصائلية»، جو يشابه إلى حدٍّ ما، أجواء احياء دمشق القديمة المفتقدة.
يقول ماهر موعد: «كنا نبحث عن شيء جديد يوفر المكان والجو المناسب في المخيم». ويضيف: أتت «جدل» لتكمل «حلم»، وتكون مكاناً في المخيم يشبه بالجو والحميمية تلك الموجودة في باب شرقي وباب توما». اما اسامة موسى فيقول «الاسم مستوحى من مقطوعة موسيقية شهيرة لمارسيل خليفة وشربل روحانا، وكان اختيار الاسم لأن الشباب بحاجة إلى النقاش وطرح القضايا من جميع زواياها تمهيداً لحلها».
في الأحوال العادية، ليس «جدل» مجرد مقهى وقاعة انترنت» بل مكان يمنح شباب المخيم المساحة الضرورية لتبادل الآراء حول مختلف المسائل، وقد يكون رواده من اصحاب التوجهات «الفصائلية» المتنوعة، وايضاً المختلفة في ما بينها، لكن هنا ينكسر الجليد ويتواصلون، وهذا ما يشير إليه محمد الشيخة بقوله «هذا المكان وحّد الشباب الفلسطيني بغض النظر عن الانتماء السياسي، نحن عادة لا نتنازل عن رأينا بسهولة ولكن هذا المكان يُحرجك ويقودك إلى نقطة اتفاق مع الآخرين».
لا يقتصر هذا المكان على كل ذلك، فقد اصبح ايضاً مكانا للاحتفال بخطبة احدى الصديقات واقامة «تعليلة»، كما تحول الى مركز للإيواء! فنتيجة الأزمة التي وصلت نيرانها إلى معظم المناطق المحيطة بالمخيم واحياناً داخله، استقبل «جدل» تسعين نازحاً من هذه المناطق لمدة أسبوع حتى انفرجت احوالهم. واصبح بعضهم في ما بعد من أصدقاء هذا المكان.
في وسط شارع اليرموك، وتحديداً في قبو «صامد» الشهير يقع «جدل كافيه»، المقهى والملجأ والفسحة النادرة للحوار بين اشخاص يعمل كل ما يحدث في سوريا اليوم على تفريقهم.




أصدقاء دائمين

رغم مرور اشهر قليلة على بدء نشاطه، يبدو أن «جدل» استطاع حقاً الوصول إلى عدد من شباب المخيم. اصبحت بعض الوجوه من روّاد المكان مألوفة وصاروا يعتبرون أنفسهم أصدقاء دائمين. هكذا وصفت منال الطيب، علاقتها بالمكان بالقول انه «يقدم حالة مصغرة عن المخيم بشبابه وصباياه وأعتبره بيتي الثاني». كذلك يرى ايمن عشماوي وهو مهندس معلوماتي، أنه يقدم «حالة جميلة في المخيم وغير موجودة في أي مكان آخر» ولهذا فهو يأتي إلى هنا بعد انتهاء عمله مباشرة ويبقى حتى الليل «فلا داعي للذهاب إلى البيت فكل ما احتاج إليه موجود هنا في هذا المكان».