طرابلس | تحتفل ليبيا غداً بالذكرى السنوية الأولى لإعلان استقلالها، بعد إلقاء القبض والقضاء على الزعيم الراحل العقيد معمر القذافي، لكن يبقى الاحتفال بهذه المناسبة ناقصاً، بانتظار حل مشكلة بني وليد (جنوبي طرابلس)، التي تصاعدت حدة المعارك فيها أول من أمس بين القوات الحكومية الليبية ومجموعات مسلحة مؤيدة للقذافي، وأدت إلى سقوط 26 قتيلاً على الأقل، وأكثر من مئتي جريح، حسبما ذكرت وكالة «فرانس برس». وفيما عمّت العاصمة الليبية أمس مظاهر فرح وبهجة، بعد أنباء القبض على خميس، النجل الأصغر للعقيد القذافي في مدينة بني وليد، أعلن مكتب رئيس الحكومة في بيان مقتضب اعتقال المتحدث باسم النظام السابق موسى ابراهيم.

لكن رغم عدم صدور تأكيدات رسمية من جهات الاختصاص حول عملية القبض على خميس القذافي، إلا أن مصدراً من كتيبة الشهيد الحبلوص في مدينة مصراته أكد أن خميس في طريقه إلى المدينة بعد القبض عليه في بني وليد.
ونقلت وكالة التضامن الليبية للأنباء عن مصادر أمنية قولها إن خميس تعرض لبتر في رجله، وجدعت أذنه اليسرى وتعرض وجهه لتشوهات نتيجة جروح وخدوش بعد تعرض موكبه للقصف إبان حرب التحرير العام الماضي. بدوره، نائب رئيس الوزراء الليبي مصطفى أبو شاقور، أكد أمس عبر تغريداته على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، أن قوات درع ليبيا تمكنت من القبض على خميس القذافي داخل بني وليد، وأنه في طريقه إلى طرابلس، الأمر الذي زاد من التجييش ضد المدينة وارتفاع وتيرة القصف.
بيد أن أبو شاقور سارع ظهر أمس لينفي هذه الأخبار، وليعتذر عنها عبر «تويتر». وتشير التقارير الى أن نجل القذافي، أحد أبرز أمراء الحرب في ليبيا، قد لقي حتفه في نيسان العام الماضي، وهذا ما أكده منصور ضو، أحد أبرز أركان النظام، حين قبض عليه وجرى التحقيق معه. وخميس النجل الأصغر للقذافي الذي كان يقود أكبر لواء يطلق عليه «اللواء 32» سابقاً، كان قد أُعلن مقتله بالقرب من مدينة ترهونة خلال استهداف رتل له بعد تحرير طرابلس العام الماضي.
غير أن المتحدث باسم المؤتمر الوطني عمر حميدان، أكد خبر مقتل خميس من جراء اشتباكات حصلت بين قوات درع ليبيا و«العصابات» في بني وليد أخيراً.
في هذه الأثناء، أكد بيان مكتب رئيس الحكومة، أنه «أُلقي القبض على موسى ابراهيم من قبل قوات تابعة للحكومة الليبية الانتقالية عند احدى البوابات في مدينة ترهونة»، الواقعة بين طرابلس وبني وليد، لكن المتحدث باسم الحكومة ناصر المناع، قال لقناة الأحرار التلفزيونية الخاصة، إن الحكومة «لم تصدر أي شيء رسمي حتى الآن عن توقيف أي مسؤول في النظام السابق».
وفي تسجيل صوتي وضع على الإنترنت، وتعذّر التحقق من صحته، نفى إبراهيم الأنباء المتداولة عن اعتقاله. وقال «أخبار اعتقالي اليوم هي محاولة بائسة لتحويل النظر بعيداً عن الجرائم التي ارتكبها ثوار الأطلسي ضد أهلنا في بني وليد».
وفي الوقت الذي يستمر فيه حصار بني وليد، الذي بدأ يوم 24 أيلول الماضي، اقتحم زهاء 200 شخص مجمع المؤتمر الوطني العام (البرلمان) في طرابلس، مطالبين بوضع حد للعنف في بلدة بني وليد.
الحصار الذي ضُرب على المدينة من محورها الشمالي، والذي استمر قرابة ثلاثة أسابيع، حاولت قبائل المدن الشرقية التدخل لفضه، ولرأب الصدع وسد الفجوة بين المدينتين من دون جدوى، ليبدأ بعدها القصف ويُدق آخر مسمار في نعش الحلول السلمية.
ومع ازدياد القصف على المدينة، زاد القلق حول مصير المدنيين في الداخل، وخصوصاً أن التقارير أكدت أن أسلحة القذافي الكيميائية ليست تحت سيطرة رئاسة الأركان، الأمر الذي ينذر بكارثة في حال استخدامها ضد المدنيين.
يأتي هذا في الوقت التي فتحت فيه كل المدن في ليبيا أبوابها لاستقبال النازحين من المدينة، الذين يزيد عددهم على الألف، غير أن ازدياد أعداد النازحين أعاد إلى الذاكرة مشهد نزوح سكان تاورغاء الذي ما زال يؤرق الجميع.
وفي الوقت الذي رأى فيه المتابعون للشأن الليبي أن ما يحدث في بني وليد لا يعد سوى عملية واضحة لخلط أوراق المرحلة، وتقوية مدينة على أخرى، وازدياد الدعوات إلى وقف عمليات القصف العشوائي ضد المدينة، انساق الإعلام الدولي والمحلي وراء شائعات، ربما كان الغرض منها تبرير عمليات القصف المتواصل على المدنيين داخل بني وليد.
الحرب الإعلامية التي تُقاد من ساسة ومدن، لقيت رواجاً في الشارع الليبي، ما يوضح سهولة اختراق المجتمع بتصريحات منسوبة إلى ساسة من المفترض أنهم محل ثقة للشعب.
وبدا أن استمرار القصف المتبادل، وارتفاع حصيلة القتلى والجرحى من الجانبين، حيث تشير المصادر الطبية إلى مقتل أكثر من 100 شخص وجرح 600 آخرين منذ اسبوع، قد أثارا حفيظة بعثة الأمم المتحددة لدى ليبيا، مما اضطر رئيسها السفير طارق متري إلى إصدار تقرير بتاريخ 20تشرين الأول يثني فيه على جهود رئيس المؤتمر الوطني السلمية، ويعرب عن قلقه بخصوص التطورات الأخيرة، والتقارير عن ازدياد عدد الضحايا المدنيين.
متري أوضح، من خلال البيان، أن الأمم المتحدة ما زالت ملتزمة بحماية المدنيين في ليبيا، وأنها على استعداد لاتخاذ كافة الإجراءات للحيلولة دون وقوع مزيد من الضحايا المدنيين، في إشارة منه إلى استمرار قرار الأمم المتحدة المتخذ تحت البند السابع.
ولأن المشهد الليبي تصعب قراءته بمعزل عن تاريخة، حيث إن مثل هذه المشاكل، التي تمتد إلى جذور تاريخية، حدثت في مثل هذه الأيام بالتحديد منذ 80 عاماً تقريباً، بين رمضان السويحلي من مصراته، وعبد النبي بالخير من بني وليد، ومقتل أحدهما على يد الأخر.
ومع ازدياد التوتر والعنف وارتفاع عدد القتلى من الطرفين يستمر الليبيون في كتم أنفاسهم خوفاً من اندلاع حرب أهلية لن توفر شيئاً.