طرابلس | على خلفية بثّ خبر اعتقال خميس القذافي، نجل الزعيم الليبي الراحل العقيد معمر القذافي، وتخوفاً من ارتفاع منسوب التحريض ضد مدينة بني وليد التي لا تزال في معركة حامية مع القوات الرسمية، تعرضت قناة ليبيا الحرة في بنغازي، أول من أمس، للتدمير الكامل وحرق بعض أجزائها، وذلك على أيدي غاضبين اقتحموا مقر القناة، احتجاجاً على الأخبار التي بثّتها بشأن إلقاء القبض على خميس القذافي داخل بني وليد وتعرضه للقتل أثناء اقتياده إلى مصراته، معتبرين مثل هذه الأخبار محرّضة على سكان مدينة بني وليد التي لا تزال تخضع لحصار القوى الأمنية الليبية منذ أسابيع.

يذكر أن التوتر الذي بدأ بين مصراته وبني وليد أواخر سبتمبر الماضي عقب إعلان وفاة عمران الشعبان، ابن مدينة مصراته الذي قيل إنه عُذّب في بني وليد بسبب قتله للقذافي، تلته دعوات من أبناء المدينة إلى مهاجمة بني وليد حصلت على الشرعية من المؤتمر الوطني العام بقرار تضمن القبض على المجرمين وإن اضطر إلى استخدام القوة، وهو ما لاقى ترحيباً من أبناء مدينة مصراته.
المحتجون الذين لا يزيد عددهم على 300 غاضب باشروا فور وصولهم ترديد عبارات جهوية أوضحت أنهم سكان بنغازي من قبيلة ورفلة الممتدة جذورها إلى الغرب الليبي، والقاطنة أصلاً في مدينة بني وليد، لكن القبيلة لم تصدر أي قرار واضح يتبنّى الحادث.
أعمال العنف التي استمرت قرابة أربع ساعات تقريباً، والتي اقتصرت على الماديات، صحبها حضور باهت لقوى الأمن، رغم تكرار الاستنجاد من قبل العاملين بالقناة، لا سيما أن قوى الأمن التي أتت متأخرة انسحبت فوراً بعد تفجر الأوضاع.
ولم يقتصر الأمر على «ليبيا الحرة»، فقد كاد الغضب أن يطيح قناة «ليبيا الأحرار» أيضاً، التي أصدر رئيس مجلس إدارتها، محمود شمام، تعلمياته إلى موظفيها في بنغازي بسرعة إخلاء المبنى حفاظاً على سلامتهم، بعد تردّد أنباء عن توجه الجماهير الغاضبة إليها هي الأخرى، الأمر الذي لم يحصل.
وقناة ليبيا الحرة التي أسّسها محمد نبوس، أحد أبناء بنغازي الذي لقي حتفه يوم 19 آذار 2011 على يد قناص أثناء هجوم رتل القذافي على المدينة، انتقل بثّها من الإنترنت، وبدأت بثّها الرسمي على قمر «نايل سات» لتصبح بذلك أول قناة ليبية تتحدث باسم الثورة.
إلى جانب نبوس أسهمت مجموعة من الشباب المتطوع في إنشاء القناة حتى أصبحت إحدى أهم القنوات الليبية اليوم. واكبت الثورة وصيحات الشباب وأصوات الرصاص وعويل النساء لحظة بلحظة، حتى أصبحت جزءاً لا يتجزأ من موروث 17 شباط.
في أول ظهور إعلامي له بعد الحادثة، تحدث رئيس مجلس إدارة «ليبيا الحرة» صالح الجدوب مع «الأخبار»، معتبراً أن غياب الدولة وسيادتها وغياب سلطة القانون هما السبب الرئيس وراء كل ما حدث، وأن الأضرار التي لحقت بالقناة هي جزء لا يتجزأ من الأحداث المستمرة في ليبيا. وأضاف أن القناة وطاقمها تحملوا مسؤولية عثرات الحكومة وتصريحاتهم غير الصحيحة.
أما أحد المستشارين الأجانب للقناة، ماجد توفيق، الذي يعمل أيضاً مديراً للبرامج، فقد أوضح لـ«الأخبار» أن الأحداث كانت بمثابة الصدمة للجميع، فالقناة لم تنتهج في سياستها يوماً التحريض أو الوقوف مع جماعة ضد أخرى.
ورأى أن القناة كانت فعلاً منبراً حراً، وأنه خلال فترة عمله في القناة لم يتعرض لأي محاولة لفرض منهج حزبي معين كما يحاول البعض وصف القناة. وأكد أن ما يحاول البعض وصف القناة به بأنها ذات طابع إخواني لا يعدو كونه سوى مجرد شائعات. فالقناة «وإن كان مديرها إخواني التوجه، إلا أن العاملين فيها هم كوكبة من شباب ليبيا».
بدوره، قال رئيس قسم الأخبار السابق في القناة، أحمد الزروق، لـ«الأخبار»، إن «ما حدث أمس (الأحد) كان نتيجة تصريحات المتحدث الرسمي باسم المؤتمر الوطني العام (عمر حميدان) بخصوص أحداث بني وليد، ونقلت قناة ليبيا الحرة هذه التصريحات كما هي، وكانت تنقل بمنتهى المهنية والحيادية». وأوضح أن «ليبيا الحرة لا تتحمل المسؤولية، فقد نقلت هذه الأخبار من جهة تشريعية في الدولة الليبية، وهي المؤتمر الوطني العام، وآخر هذه التصريحات التي أدلى بها المتحدث الرسمي بخصوص القبض على خميس القذافي ووجود أشخاص خارجين عن القانون في مدينة بني وليد، الأمر الذي أجّج غضب أهالي قبيلة ورفلة في مدينة بنغازي».
مسؤول البرامج السابق في القناة منير القعود، أوضح خلال حديثه مع «الأخبار» أن «هناك تأليباً وتحريضاً للرأي العام الليبي بقيادة نخب مؤدلجة وأخرى إقصائية ضد قناة ليبيا الحرة. تزايد هذا التأليب والتحريض والتوصيف غير الدقيق لخط القناة المهني جعلها عرضة للاعتداء، ولا ننسى أن هذه النخب «انتقائية» في معاييرها. فالمشهد الليبي تلبده قنوات أخرى، منها ما هو خارج البلاد ومنها ما ينطلق من رؤية تجارية أو مصبوغة بفكر الحزب الحاكم إن جاز الوصف، وهو حزب الغالبية بالنسبة إلى الكيانات السياسية».
أما رئيس قسم التشغيل في القناة، عبد العزيز الباشا، فقد أوضح لـ«الأخبار» أن ليبيا الحرة لم تكن القناة الوحيدة التي نقلت الأخبار عن مدينة بني وليد واحتمال وجود أتباع للقذافي داخلها.
من جهتها، ريدا العربي، مذيعة في القناة، تحدثت إلى «الأخبار» فأشارت إلى أن قنوات عديدة نشرت خبر إلقاء القبض على خميس القذافي، معتبرة أن نقل خبر اعتقال خميس في بني وليد ذريعة لا أساس لها. وأضافت أن «هناك من المخربين من حاول إلصاق تهمة الانحياز لتيار دون آخر خلال وجوده في القناة، ما أثبت أن ما حصل كان بتدبير مسبق ولتحقيق غايات بعيدة عمّا غلّف به الاحتجاج».