تونس | مثّل قتل الناشط في حركة «نداء تونس»، محمد لطفي نقض، مؤشراً خطيراً على الاحتقان الذي تعيشه تونس بعد عام من الانتخابات التي منحت السلطة للترويكا بقيادة حركة النهضة الإسلامية. فمنذ سنة ١٩٦٣ لم يعرف التونسيون الاغتيال السياسي، وحتى عندما عاشت البلاد انفلاتاً شبه تام بعد هروب زين العابدين بن علي، لم يسجل الشارع التونسي عمليات تصفية جسدية بين الفرقاء السياسيين. لذلك، كان مقتل نقض حادثة هزت الشارع التونسي، وأكدت وصول البلاد إلى حالة خطيرة من الاحتقان، وصفها الرئيس المؤقت محمد منصف المرزوقي بأنها وصلت إلى «الضوء البرتقالي».

وتنديداً بالعنف والاغتيال السياسي وللمطالبة بحل الميليشيات التي لا تملك أي شرعية قانونية، نظمت المعارضة المؤلفة من الحزب الجمهوري والمسار الاجتماعي الديموقراطي ونداء تونس والجبهة الشعبية، أمس، مسيرتين متتاليتين شارك فيهما عدد كبير من ممثلي الأحزاب والمثقفين والحقوقيين، ورفعوا فيها شعارات تطالب بالحرية وبالجبهة المدنية ضد الرجعية والإرهاب.
كذلك رفعت صور لطفي نقض، الذي عدّته المعارضة أول شهيد للانتقال الديموقراطي في تونس، فيما رفع متظاهرو الجبهة الشعبية شعارات تطالب بحل الميليشيات وبإقالة وزير الداخلية ووزير العدل وإطلاق سراح الموقوفين على أثر الاحتجاجات الشعبية في مختلف مناطق البلاد. وحاولت مجموعة صغيرة من أنصار النهضة استفزاز المسيرة التي احتضنها شارع الحبيب بورقيبة، برفع شعارات ضد «نداء تونس» الذي عدّوه «داء تونس»، وطالبوا بإقصاء زعيمه، الباجي قائد السبسي من الحياة السياسية، من دون أن يكون لاستفزازهم أي تأثير على سير التظاهرة التي جندت لها وزارة الداخلية عدداً كبيراً من أعوان الأمن لضمان سلامة سيرها وأمن المشاركين فيها.
من جهة أخرى، استخدمت قوات الأمن قنابل الغاز المسيل للدموع وأطلقت الرصاص في الهواء لتفريق مئات من المتظاهرين حاصروا مديريتي الشرطة والحرس الوطني في مركز ولاية قابس التي تشهد منذ 17 الحالي احتجاجات اجتماعية. وطالب المحتجون وزير الداخلية علي العريض، بالاعتذار لسكان محمد علي وبفتح تحقيق في «تجاوزات» أعوانه، رافضين قبول اعتذارات من مدير إقليم شرطة قابس.
وإذا كانت احتجاجات أمس قد مرت بسلام، فإن مخاوف التونسيين من تظاهرات اليوم الثلاثاء كبيرة؛ إذ جندت حركة النهضة أنصارها من مختلف جهات الجمهورية ودعتهم إلى التظاهر في شارع الحبيب بورقيبة وساحة القصبة وساحة المجلس الوطني التأسيسي لدعم الحكومة والاحتفال بالذكرى الأولى لانتصارها في انتخابات المجلس التأسيسي، فيما دعت الجبهة الشعبية واتحاد العاطلين من العمل أنصارهما إلى التظاهر ضد الحكومة التي يرون أنها فقدت شرعيتها القانونية وفشلت في تأمين، لا العمل والكرامة فقط، بل حياة التونسيين أيضاً. ويخشى التونسيون حدوث اشتباكات في الشوارع بين الفريقين قد تصل إلى تبادل العنف أو حمام دم لم تعرفه تونس طوال تاريخها قد يقود البلاد إلى سيناريو شبيه بالسيناريو الجزائري في التسعينيات، وخصوصاً أن دعوات «القتل» التي تطلقها روابط حماية الثورة على صفحات «الفايس بوك» لقيادات وأنصار نداء تونس وحلفائه أصبحت مسألة مألوفة ولم تعد تثير الاهتمام ولا التتبع القضائي! وفي مواجهة هذا الاحتقان، بادر الجيش الوطني بالانتشار مجدداً في شوارع العاصمة الرئيسية، ونشر الأسلاك الشائكة حول المؤسسات العمومية والرسمية مثل المجلس الوطني التأسيسي وبعض الوزارات والمؤسسات الاقتصادية والمراكز التجارية الكبرى تحسباً لأي تحركات قد تتجاوز الخطوط الحمراء وتمس أمن المواطنين أو سلامة المرافق العمومية.