الجزائر | لم تمر إلا ساعات على الغبطة الكبرى التي أبدتها السلطات الجزائرية بعد اعتراف الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بـ«القمع الدموي» لتظاهرات الاستقلاليين الجزائريين في باريس في 1961، حتى قصفت مؤسسات فرنسية عديدة بالثقيل، مشيرة إلى أنه «لا اعتراف ولا معاهدة صداقة». وأكد وزير الخارجية لوران فابيوس، أول من أمس في تصريح إلى قناة «أوروب 1»، أن الصيغة المثلى للتعاون هي «الشراكة الاستراتيجية بدل معاهدة الصداقة» التي كان يفترض أن يوقّع عليها الرئيسان عبد العزيز بوتفليقة وجاك شيراك خريف عام 2005 ، لكن التوقيع تعطّل، ثم أُجّل، ثم أُلغي بسبب قانون سنّه البرلمان الفرنسي مجّد الاستعمار واعتبره فعلاً حضارياً، خاصة في شمال أفريقيا.

وأضاف فابيوس أن الجزائريين أيضاً يفضّلون هذه، في إشارة إلى الشراكة، من دون أن يحدد متى أبدى الجزائريون ذلك، لكنه لمّح إلى أن هذا «المسعى المشترك» بلورته الاستعدادات الجارية لزيارة الرئيس الفرنسي المرتقبة للجزائر بداية شهر كانون الأول المقبل.
وعن المواضيع التي ستطرح في زيارة هولاند، أشار الوزير الفرنسي إلى أن الحديث سيتناول مواضيع خاصة بشأن «ما يمكن أن نفعله معاً في المسائل الاقتصادية والتربوية والطاقوية، ولم لا العسكرية»، في إشارة واضحة إلى استبعاد البحث في كل ما يتصل بـ«ملف الذاكرة» الذي يخص الماضي الدموي بين البلدين.
بدوره، أكد الوزير الفرنسي المنتدب لشؤون قدماء المحاربين، قادر عريف، أن الدولة الفرنسية لن تقدم أي اعتذار للجزائر بخصوص الماضي الاستعماري. وشدد، في حوار مع صحيفة «لوجورنال دو ديمانش»، على أن اعتراف هولاند بما حصل من قمع في 1961 لا يرقى إلى مستوى الاعتراف بتجاوزات فرنسية خلال فترة الاحتلال، لأن الاعتراف بالذنب إن كان مطلوباً يجب أن يكون متبادلاً.
وطالب عريف، الجزائري الأصل والمولد، بإنهاء مأساة «الحركى»، وهم المتعاونون مع الجيش الفرنسي خلال ثورة الجزائر، وفضّل عدد كبير منهم، بينهم والده، الرحيل إلى فرنسا بعد إعلان الاستقلال.
ومثّلت تصريحات الوزيرين انتكاسة لآمال قطعها فريق في جهاز الحكم في الجزائر يرغب في تعزيز العلاقات مع فرنسا وإزالة كل المعوقات أمامه، ويرى أن ذلك يمر عبر تحقيق «إنجاز دبلوماسي تاريخي» يبرر به توجهه هذا، يتمثل في اعتذار من الدولة الفرنسية عن المجازر التي ارتكبت خلال فترة الاحتلال، من دون أن يكون لذلك أيّ آثار اقتصادية أو قانونية.
ورأى الفريق الجزائري في تصريح هولاند، الأسبوع الماضي، بارقة أمل لتحقيق هذا «الإنجاز الدبلوماسي التاريخي» ولو بالتقسيط. وأعلنت قنوات رسمية وشبه رسمية في الجزائر أن كلام هولاند هو بمثابة قانون ستعقبه إجراءات في سياق مطلب «الاعتذار» الذي أطلقه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في أيار 2005 لمناسبة الذكرى الستين لمجازر الثامن من أيار 1945. وأعطى كلام فابيوس انطباعاً بأن تغيراً جوهرياً وقع في المقاربة الجزائرية للتعاون مع فرنسا أزال الكثير من الحواجز. فقد صارت العلاقة المنتظرة التي ستنبثق من زيارة هولاند تصبّ في المسعى الفرنسي المبني أساساً على «تحرير التعاون» من ثقل «موضوع الذاكرة». وكان أحد أكبر هموم الرئيس الفرنسي الأسبق، جاك شيراك، ربط الغاز الجزائري بفرنسا من خلال شراكة استراتيجية بين «غاز دوفرانس» وشركة «سونطراك» النفطية الجزائرية. وهذا الهم الكبير ورثه نيكولا ساركوزي وسعى إليه في بداية حكمه قبل أن تشتعل النار بين الجانبين ويتبخر الحلم. وهذا التغير الذي أساسه تحييد الخلاف حول التاريخ، سيمنح فرنسا أهم ثلاثة أمور تسعى إليها في العلاقة مع الجزائر، وهي الشراكة في الغاز وترقية مكانة اللغة الفرنسية في المنظومة التعليمية والحياة العامة وتعزيز دور المؤسسات الاقتصادية والبنوك الفرنسية في الاقتصاد الجزائري. ولمَ لا ــ كما قال فابيوس ــ فتح صفحة الصفقات العسكرية؟ ففي النهاية، الجزائر بالنسبة إلى فرنسا سوق كبيرة لتصريف المنتجات ومصدر مهم للمواد الأولية، وهي ذاتها دوافع الاحتلال عام 1830.