مأرب | تعاني محافظة مأرب كغيرها من محافظات اليمن من آثار العدوان السعودي والحصار. وتستمر الغارات الجوية في استهداف منازل المواطنين والبنية التحتية والطرقات العامة، وتستمر معها معاناة المواطنين في ظل الفقر والجوع والحرمان وارتفاع أسعار المشتقات النفطية والغاز التي تكاد تكون معدومة إلا في السوق السوداء والتي انتشرت وتوسعت في أسواق المحافظة.


في هذا الوقت، تصاعدت الصراعات بين الفصائل المسلحة المؤيدة للعدوان وانعكس ذلك على أكثر من صعيد، ما مثّل فرصةً أمام الجيش اليمني و»اللجان الشعبية» اللذين تمكنا من إحراز تقدم كبير في مديريات مأرب، ودفع كذلك بالإمارات إلى سحب «الدفعة الأولى» من قواتها إثر تفاقم الأوضاع العسكرية والأمنية هناك.
عمد «التحالف» إلى السياسة الاستعمارية المعروفة في تفريق المجتمعات وتغذية بذور الصراعات حتى بين الميليشيات الموالية له، حيث يعمل على دعم بعض الميليشيات وتسليحها مقابل حرمان أخرى، الأمر الذي أسهم في إشعال نيران الحرب والصراع بين المرتزقة، وخصوصاً بعد توقيف المخصصات المالية لبعض الفصائل. ولعل الفصائل المتناحرة بدأت تدرك خطورة المشروع السعودي، فسعت إلى بسط سيطرتها على الأرض، الأمر الذي فاقم الصراعات حيث تجرى مواجهات متقطعة في بعض المناطق بين الفصائل المسلحة، بهدف السيطرة على أكبر مساحة، كي يجبروا قيادة «التحالف» على الاعتراف بهم.
وتصاعدت حدة الخلافات في صفوف قيادات المجموعات المسلحة المؤيدة لقوات الغزو في محافظة مأرب، على خلفية توقيف المستحقات المالية والرواتب لبعض المجنّدين والمسلحين والتي كانوا يتقاضونها كمكافآت مالية لاشتراكهم في الحرب ضد الجيش اليمني و»اللجان الشعبية». ونظمت مجموعات مسلحة تظاهرات حاشدة أمام المجمع الحكومي في مأرب، طالبوا فيها قيادة «التحالف» والمسلحين بصرف مستحقاتهم المالية المتأخرة ورعاية الجرحى وأسر القتلى التي تعاني من الإهمال والحرمان.


أدت الأوضاع المعقدة في
مأرب إلى سحب الإمارات قواتها واستبدالها بدفعة أخرى

وهدد المتظاهرون بتصعيد احتجاجاتهم واللجوء إلى خيارات وصفوها بـ«العنيفة» في حال عدم الاستجابة لمطالبهم، حيث هددوا بقطع الخطوط العامة وإغلاق المنشآت والمؤسسات العامة. وتأتي التظاهرات بعدما شهدت مدينة مأرب في الأسبوع الماضي اشتباكات عنيفة بين فصيلين مسلّحين، إثر قيام أحد الفصائل المسلحة بقطع الطريق الرابط بين شبوة ومأرب للمطالبة بمستحقات مالية.
وكانت مجموعات مسلحة تابعة للمحافظ المعزول سلطان العرادة، قد أقدمت على اقتحام مبنى فرع البنك المركزي في مأرب واختطاف المدير العام وعدد من الموظفين بعد رفض صرف مبلغ مليار ريال للمجاميع المسلحة. وأصدر العرادة، في مخالفة قانونية واضحة، قراراً بتغيير مدير البنك محمد علي مدهش وتعيين مدير جديد ينتمي إلى «الإصلاح» ويدعى جمال الكامل. بدورها، أصدرت الإدارة العامة للبنك المركزي في صنعاء، أوامر بإيقاف التعاملات مع فرع محافظة مأرب وتجميد كل التعاملات المالية حتى إعادة المدير السابق إلى عمله ووقف التدخلات في عمل البنك، وهو الأمر الذي أصاب فرع البنك المركزي في مأرب بشلل كلّي، حيث أفاد الموظفون عن توقف كل التعاملات المالية. وتكمن خطورة الأزمة في أن رواتب موظفي المحافظة مهددة بالتوقف بعد وقف التعاملات ونهب ميليشيات المرتزقة مبالغ كبيرة من البنك لدعم المجاميع المسلحة من حساب رواتب موظفي القطاع العام.
وفي الحصيلة، انعكست الخلافات الداخلية بين المجموعات المسلحة على الوضع الميداني العام في المحافظة، حيث تمكن الجيش و»اللجان الشعبية» من تحقيق تقدم كبير في العمليات العسكرية في منطقتي صرواح والجدعان، وتكبيد المسلحين والقوات الغازية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. ولعلّ الصمود الأسطوري للجيش و»اللجان الشعبية» في مأرب والضربات التي تلقتها القوات الغازية في هذه المحافظة ذات الطبيعة الصحراوية قد أجهض أحلام الغزاة في جعلها طريقاً آمناً للوصول إلى صنعاء، حيث تبخرت أحلام سقوط صنعاء وعمدت دولة الإمارات إلى سحب قواتها الغازية من مأرب، بعدما تلقت خسائر كبيرة من دون تحقيق أي إنجازات ذات أهمية تذكر. وعلى الرغم من إعلان الإمارات استبدال قواتها الغازية من دون ذكر الانسحاب، فإن مشهد سحب المدرعات الإماراتية المدمرة يكشف مدى خسارة الإمارات وغرقها في رمال مأرب، رغم المكابرة وعدم الاعتراف بالهزيمة المدوية.
إلى ذلك، ينذر تصاعد الخلافات والصراعات بين الفصائل المسلحة والتهديدات والتظاهرات المستمرة باندلاع مواجهات عنيفة قد تقضي على ما تبقى من معالم مؤسسات الدولة وتغرق المحافظة في موجة جديدة من الصراعات الدموية، وخصوصاً في ظل استيلاء بعض الفصائل المسلحة على ترسانة عسكرية ضخمة من الأسلحة والصواريخ المتطورة والتي قدمتها السعودية لتلك الفصائل في بداية العدوان من دون التحقق من انتماءاتها وتوجهاتها الفكرية والعقائدية. كذلك، إن إيقاف السعودية للمستحقات المالية لبعض الفصائل المسلحة، وبقدر ما يكشف خيبة الأمل السعودية وفشل المشروع السعودي في مأرب والتي ضخّت أموالاً ضخمة وأسلحة في بداية الحرب لتشجيع تلك الفصائل على محاربة الجيش و»اللجان الشعبية»، بقدر ما ينذر بتمرد تلك الفصائل على السعودية العجوز، وهو ما يعني انقلاب السحر على الساحر.