«استطعنا أن نتعامل مع الحرّ الشديد الذي يصاحب شهرَي تموز وآب، لكنّ المشكلة تكمن في انعدام وسائل درء البرد في فصل الشتاء»، هكذا بدأ فراس طحّان أحد أبناء بلدة الفوعة (ريف إدلب الشمالي) حديثه إلى «الأخبار»، معبراً عن تخوفه الشديد من قدوم فصل الشتاء فيما لا تزال البلدة وجارتها كفريا تحت الحصار منذ تسعة أشهر من قبل «جيش الفتح».

ويضيف الرجل: «الملاجئ التي يعيش فيها أغلب السكّان ليست معدّة لغرض الحروب الطويلة، وليس فيها ما يمكن أن يعيننا على تدفئة أطفالنا في الشتاء».

عشرات المناشدات يُطلقها أهالي الفوعة وكفريا، يعبّر أصحابها عن تخوفهم الشديد من المعاناة التي سيحملها لهم فصل الشتاء. كان الأهالي ينتظرون البدء تنفيذ اتفاق «الزبداني ــ كفريا والفوعة»، القاضي بإخراج الجرحى والنساء والأطفال وكبار السن من البلدتين، في مقابل خروج المسلحين من الزبداني.
مئات العائلات باتت تعيش في ملاجئ غير صالحة للسكن نتيجة الدمار الهائل الذي حل بمنازلهم. فبحسب أبناء البلدتين، تضرر ما يقارب 70% من المباني بشكلٍ كبير نتيجة لآلاف القذائف التي أطلقها مسلحو «القاعدة»، وسقطت فيهما طوال عمر الحصار.
يتحدث المواطنون عن حال أطفالهم الذين لا يملكون الثياب الكافية لتقيهم برد الشتاء، وذلك بسبب اضطرارهم إلى إخلاء منازلهم شبه المدمرة من دون أن يتمكّنوا من نقلِ حاجاتهم الأساسية إلى حيث يسكنون الآن. يقول بعض سكان البلدتين إنّ الضرر الذي حلّ بالبيوت وبالبنى التحتية كان كبيراً جداً، الأمر الذي أدى إلى انقطاع الكهرباء ونفاد كلّ أشكال الوقود، مع ما يعنيه ذلك من انعدام غالبية وسائل التدفئة.
ويصف جعفر الحسين بلدته الفوعة بـ«المنطقة المنكوبة» التي يخوض أهلها صراعاً عنيفاً من أجل البقاء. يقول الحسين إن «الشوارع لم تعد كما كانت عليه، فهي مفروشة اليوم بركام المنازل. وحين يهطل المطر، خفيفاً كان أو غزيراً، فإن الماء يتسرّب إلى قلب الملاجئ فيضاعف معاناة الأطفال».
وفي بلدة كفريا، لا تبدو المعاناة مختلفةً كثيراً. «الجرحى بحاجة إلى الدفء، فالأجساد تتوقّف عن التجاوب مع العلاج حين تنخفض درجة حرارتها إلى ما دون المعدلات المقبولة»، يقول الدكتور غزوان، العامل في إحدى المستشفيات الميدانية في البلدة. ويضيف: «نحن بحاجة إلى كلّ مصادر الدفء الممكنة، حتّى الأغطية والبطانيات تحوّلت إلى عنبٍ لا نطوله. ولستُ أهوى استجرار العواطف أو تعظيم الأهوال، لكنّ العالم قد يشهد حالات وفاةٍ لأطفال تجمّدت أجسادهم من شدّة البرد... لا أعتقد أن العالم مكترثٌ على أيّة حال».
الحاجة فاطمة، التي تبلغ من العمر 65 عاماً، تحدثت في اتصال هاتفي مع «الأخبار» عن الوضع المأسوي الذي يعيشه سكان بلدة كفريا، مشيرةً إلى أنها تنقلت بين كفريا والفوعة لإجراء الاتصال الهاتفي بسبب ضعف تغطية شبكات الخلوي في البلدتين. «يحتاج الاتصال إلى بحثٍ وتجوال، الأمر يعتمد على الحظّ والصدفة بشكلٍ كبير»، تقول السيدة السورية.
وتضيف: «سكان البلدة جمعوا الملابس لحياكة القديم منها بطريقة تؤمن الدفء لأطفالهم». وتابعت قائلة: «أستفيد من بعض الأغطية غير الصالحة للاستعمال في صناعة معاطف صغيرة للأطفال، هذا كل ما أستطيع فعله».
وعن تأمين الحطب، وهو آخر ما أمكن استعماله لغرض التدفئة، يقول أحد أبناء الفوعة «إن البلدتين بحاجة ماسة إلى كميات كبيرة من الحطب تتجاوز مئات الأطنان، وهذا شرطٌ كماليّ ليس متوافراً على الإطلاق. كذلك إنّ تحطيب الأشجار سيحرمنا ثماراً شكّلت، خلال الحصار، سنداً غذائياً جيداً. ونحن لسنا بوارد الاستغناء عنه ما دامت تسويفات البدء بتنفيذ اتفاق فك الحصار تنبئ باستمرار الوضع على حاله حتّى إشعارٍ آخر».
اتفاق كفريا والفوعة ــ الزبداني لا يزال معلّقاً منذ شهرين، بينما يُمنّي أهالي البلدتين أنفسهم بألّا يكون قد أصبح طيّ النسيان، فقدوم فصل الشتاء كفيلٌ بمضاعفة معاناتهم في ظلّ تجاهلٍ واضح من المنظّمات الإنسانية التي أدارت ظهرها لأوجاعهم وهي التي مدّتهم بشحنة مساعداتٍ لا تغني من جوع ولا تخفّف من وطأة الحصار.
ويعزو المتحدث باسم المكتب الإعلامي لمجمع الرسول الأعظم في مدينة اللاذقية والمتابع لملف البلدتين، حسن عمر، التأخير في تنفيذ بنود الاتفاق إلى انعدام التنسيق بين المجموعات المسلحة التي تسيطر على كافة الطرقات والمداخل. وأكد أنه تم خرق الهدنة في مرات عديدة، مشيراً إلى أن الوضع الإنساني في البلدتين بات متردياً خاصة بعد ضرب خزان المياه الوحيد فيهما.
وأما المساعدات التي أدخلت إلى البلدتين في 18 تشرين الأول، فجاءت خجولةً للغاية، حيث إنّ عدد الحصص (2000 حصّة) لم يكن كافياً لإشباع حاجات أكثر من 4000 أسرة محاصرة، فضلاً عن كون هذه الحصص فقيرةً بالمواد الأساسية كحليب الأطفال والطحين، وهو أكثر ما يحتاجه المحاصرون اليوم. كذلك لم تتضمن الأدوية ما يحتاجه الجرحى.
هكذا تعيش البلدتان السوريتان حصاراً أوشك أن يقضي على كل أشكال الحياة فيهما. وفي انتظار الغيث على شكل اتفاقٍ يجنّبهم وأطفالهم مزيداً من العذاب، لا يبدو أنّ أهالي كفريا والفوعة سيكونون سعداء بـ«الغيث» الذي يتحضّر لزيارتهم على شكل ثلجٍ ومطر.