صعّدت أنقرة من لهجتها تجاه دمشق من جديد، معلنةً على لسان وزير خارجيتها، أحمد داوود أوغلو، انعدام أيّ معنى للحوار «مع نظام قاتل»، فيما ردّت دمشق بأنّ تركيا مصممة على توريط الشعب التركي بسياسات حكومتها، فيما وصفت الدوحة الأحداث في سوريا بأنّها «إبادة».


وأعلن داوود أوغلو أنّ بلاده لن تتحاور مع النظام السوري. وقال خلال مؤتمر صحافي: «لا معنى لحوار مع نظام يستمرّ بقتل شعبه حتى خلال عيد الأضحى». ولفت إلى أنّ الحوار مع دمشق سيعتبر خطوة من شأنها أن تعطي «شرعية للنظام القائم». وأكد أنّ الحكومة التركية ستواصل «مشاوراتها» بشأن الأزمة السورية مع روسيا، لكنه قال إنّ «الرسالة الأوضح الواجب إعطاؤها للنظام السوري هي أنّ يتصالح مع شعبه وأن يوقف مهاجمته». وأضاف أنّ المشاورات ستستمرّ أيضاً مع إيران، وكذلك مصر والسعودية. وقال إنّ تركيا «تشعر باستياء شديد» من فشل الهدنة في سوريا. ورأى أنّ «ما يهم الآن هو تشجيع السلام عبر أقوى الرسائل. لقد حافظنا على علاقتنا مع النظام السوري على مدى أشهر، ووجهنا رسائل حوار، لكن أولاً على النظام السوري أن يبدي رغبة في صنع السلام مع شعبه». ودعا الوزير التركي إلى عملية انتقالية في سوريا «تؤدي دوراً فيها الأطراف غير الضالعة في أعمال القتل بحق الشعب السوري».
بدوره، ردّ المتحدث باسم الخارجية السورية جهاد مقدسي على داوود أوغلو، قائلاً «إنّ وزير الخارجية التركي لا يزال مصمماً على الاستمرار بجرّ وتوريط الشعب التركي بسياسات الحكومة التركية، وإنّه لا يزال يتبنى منهج الهروب للأمام ورفض إجراء أيّة مراجعة نقدية لسياسات هدامة». ورأى أنّ «عدم الالتزام التركي والخليجي بإنجاح قرار وقف العمليات العسكرية، الذي التزمته سوريا يشكّل تقويضاً من هذه الأطراف لمهمة المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي عبر الاستمرار بسياسة تمويل المجموعات المسلحة وتسليحها». وأكد أنّ سوريا ستبقى حريصة على العلاقات التاريخية والأخوية، التي تجمع بين الشعبين السوري والتركي والتي لن تنجح أيّة حكومة في الإساءة إليها».
من جهته، قال رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم آل ثاني إنّ ما يحصل في سوريا ليس حرباً أهلية، بل «حرب إبادة» بـ«رخصة» للقتل من الحكومة السورية والمجتمع الدولي، الذي يبدو عاجزاً عن التحرك بفاعلية لإنهاء النزاع. وقال، في تصريح تلفزيونيّ، إنّ بلاده كانت تعرف مسبقاً أنّ الهدنة التي أعلنت خلال عيد الأضحى ستفشل، بسبب موقف الحكومة السورية.
وبحسب حمد فإنّ «كل الأطراف تعرف ما هو الحلّ المطلوب، وتعرف ماذا يريد الشعب السوري. وكل ما يجري الآن برأيي تضييع وقت وإعطاء رخصة لقتل الشعب السوري وتدمير مقدرات سوريا»، مشيراً إلى أنّ قطر ستطرح على اللجنة العربية الخاصة بسوريا سؤالاً واضحاً هو: «وماذا بعد الآن؟». وأضاف: «إنّ قطر تثق بالإبراهيمي، إلّا أنّه يتعين على هذا الأخير أن يضع فكرة واضحة لكيفية حلّ هذا الموضوع أمام مجلس الأمن، وبدء مرحلة انتقالية». وحول الموقف الغربي والجهود الدبلوماسية إزاء النزاع في سوريا، قال إنّ «الوضع الغربي ليس على المستوى المطلوب»، متوقعاً أن يكون هناك «شلل في الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة»، حتى ما بعد الانتخابات الأميركية.
في سياق آخر، طلبت إيران من العراق عدم تفتيش طائراتها المتوجهة إلى سوريا، وذلك بعد أن أمرت بغداد مرتين طائرتي شحن إيرانيتين بالهبوط للتحقق مما إذا كانتا تحملان أسلحة أو عتاداً عسكرياً محظوراً. وصرّح الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية، رامين مهمانبرست، بأنّه «يتعيّن على الحكومة العراقية أن تقاوم (الضغوط الأميركية)، وأن لا تسمح بتكرار هذه الأعمال في المستقبل». وأضاف: «في الحالتين اللتين فتّشت فيهما طائرتانا، تبيّن ملياً للسلطات العراقية أنّ تلك الاتهامات غير صحيحة». وأكد مهمانبرست أنّ «اتهامات الدول الغربية لإيران تهدف إلى تحويل الانتباه عن زعزعة الاستقرار في سوريا، بسبب تزويد تلك الدول المجموعات الإرهابية بالأسلحة».
ميدانياً، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أنّ طائرة حربية سورية شنّت غارة على حيّ جوبر في دمشق، مشيراً إلى أنّها الغارة الأولى من طائرة حربية على العاصمة. وقال المرصد إنّ الطائرة ألقت أربع قنابل على الحيّ الواقع عند طرف العاصمة والمحاذي لبلدة زملكا حيث تدور اشتباكات عنيفة بين القوات النظامية والمقاتلين المعارضين.
وفي ريف دمشق، قال المرصد إنّ خمسة أشخاص على الأقل قتلوا، وأصيب أكثر من 20 بجروح إثر قصف القوات النظامية بلدة بيت سوا. وتعرض حيّ الحجارية في مدينة دوما لقصف من طائرة حربية «أدى إلى دمار هائل في المنطقة»، بحسب المرصد الذي أشار إلى وقوع عدد كبير من القتلى والجرحى. وأشار المرصد إلى أنّ قصفاً مدفعياً استهدف «مبنى في البرج الطبي الذي ما زال قيد الإنشاء، والذي سيطر عليه مقاتلون معارضون قبل أيام».
في هذه الأثناء، كشف التلفزيون الرسمي السوري عن مقتل لواء طيار في القوات الجوية. وقال التلفزيون: «في إطار استهدافها للكوادر الوطنية والعلمية، مجموعة إرهابية مسلحة تغتال اللواء الطيار عبد الله محمود الخالدي في حيّ ركن الدين بدمشق». وأفاد مصدر أمني لوكالة «فرانس برس» بأنّ الخالدي «عضو في قيادة الأركان الجوية»، موضحاً أنّه تعرض لإطلاق نار ليل الاثنين أثناء خروجه من منزل أحد أصدقائه في حيّ ركن الدين «حيث كان يقوم بزيارة اجتماعية». وشهدت مدينة دمشق، بعد منتصف الليلة الماضية، اشتباكات عنيفة بين مقاتلين معارضين وفلسطينيين موالين للنظام في مخيّم اليرموك للاجئين الفلسطينيين.
وأوضح المرصد أنّ المعارك اندلعت أولاً في حيّ الحجر الأسود في جنوب دمشق، ثمّ «امتدت إلى مخيّم اليرموك الملاصق للحجر الأسود، حيث دخل مقاتلون من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ــ القيادة العامة على خط القتال إلى جانب جيش النظام». وأفاد المسؤول الإعلامي في الجبهة الشعبية ــ القيادة العامة، أنور رجا، بأنّ «جماعة من المسلحين الإرهابيين حاولوا التسلّل إلى مخيّم اليرموك قادمين من محيط الحجر الأسود، وقامت اللجان الشعبية التي شكلناها لمنع اختراق المخيم من قبل أيّ مجموعة إرهابية بالتصدي للمجموعة». واتهم بعض المعارضة السورية بمحاولة «جرّ المخيّم إلى دهاليز الأزمة الداخلية السورية».
وشنّ الطيران الحربي غارات على عدة مناطق في محافظة إدلب. وقتل سبعة أشخاص بينهم أربعة أطفال جراء الغارات على مدينة معرة النعمان، التي يسيطر عليها المقاتلون المعارضون ومحيطها، بحسب المرصد، الذي أشار إلى أنّ الغارات تركّزت على «محيط المشفى الوطني» في المدينة.
وشهدت بعض أحياء مدينة حلب اشتباكات، بعد محاولة مقاتلين معارضين شنّ هجوم من حيّ بني زيد على ثكنة طارق بن زياد في حيّ السبيل، بحسب ما ذكرت وكالة «فرانس برس»، فيما قتل مقاتل معارض في اشتباكات مع القوات النظامية في حيّ الزبدية في مدينة حلب. وأشار المرصد إلى سقوط قذائف على أحياء الشعار، والميسر، وبستان الباشا، وشارع تشرين، وبني زيد، والصاخور في المدينة. وفي مدينة حمص، قتل مقاتل معارض في اشتباكات مع القوات النظامية في حيّ دير بعلبة، فيما تعرضت أحياء الخالدية، وجورة الشياح، ودير بعلبة للقصف من القوات النظامية، بحسب المرصد.
في موازاة ذلك، تجدّدت المعارك بين مقاتلي المعارضة وميليشيات كردية في محيط قرية «يازي باغ» الكردية، القريبة من الحدود التركية.
(أ ف ب، رويترز، يو بي آي، سانا)