دمشق | تتفرّد أحداث الحرب السورية الدائرة اليوم عن غيرها من حروب التاريخ الحديث بتعقيداتها وتشابك خطوطها وأطرافها، وخفاياها التي تلخّص إلى حدّ ما صراعات السياسات العالمية التي تديرها القوى الدولية العظمى، الساعية لتحقيق مصالحها والسيطرة على المنطقة. إنها واحدة من فصول الحرب العالمية الجديدة، التي تحتاج بالضرورة إلى أرض محروقة ووقود بشري لاستمرارها. هذا ما يبرّر تحول أعداد الضحايا السوريين إلى عناوين رئيسية في نشرات أخبار مجمل الفضائيات، وتتصدر أسماء مناطق وأحياء مختلفة واجهة الأحداث وتقارير المراسلين الصحافيين، الذين يقدمون وجهات نظر متناقضة في أكثر الأحيان، لخدمة سياسة المحطة أو الوسيلة الإعلامية التي يعملون لصالحها. أما القاسم المشترك بين جميع هذه الأخبار والتقارير والصور والسيناريوات الإعلامية المختلفة، هو التدمير الذي لحق بأحياء ومناطق في مدن سورية، والتي مُحي بعضها عن بكرة أبيه. في الوقت نفسه، يسارع كل أطراف الصراع إلى إعلان تطهيره أو تحريره لهذه المناطق، وتتفاخر عناصره المسلحة برفع أعلام ورايات النصر أمام عدسات المصورين، وفي الخلفية يبقى المشهد ذاته: أنقاض لمنازل المدنيين وخراب ودمار شمل أحياءً سكنية بكاملها!

لحق الدمار شبه الكامل بالعديد من أحياء مدينة حمص مثل حي بابا عمرو، وباب السباع، وجورة الشياح. وسرعان ما انتقل إلى أحياء مدينة حلب ليقضي على أحياء كاملة مثل المرجة، وهنانو، وسيف الدولة، وسليمان الحلبي وغيرها. لم تميّز القذائف المتبادلة بين منزل يملكه موالٍ أو معارض، «ربما تكون مأساة الدمار واحدة من الأمور النادرة التي يتفق عليها السوريون اليوم»، كما يقول عدنان (34 عاماً)، أحد سكان حي بابا عمرو، الذي نزح مع عائلته إلى دمشق مع بداية الأحداث، ويضيف «شاهدت منزلنا وهو يحترق بشكل كامل على شاشات الفضائيات. لا يمكن أن أصف ما شعرت به مع أفراد أسرتي ونحن نشاهد تاريخ عائلتنا يحترق أمام أعيننا. منزلنا هو كلّ ما نملكه في هذا الوطن الذي يحترق تدريجاً بعبثية مفرطة». تختلف قراءات الشارع السوري لمشاهد الدمار الذي لحق ببلادهم. البعض حمّل المعارضة المسلحة من كتائب الجيش الحر ومسلحي المجموعات الإسلامية المتشددة، المسؤولية كاملة عن خراب البلاد، والبعض الآخر يتردّد كثيراً قبل إطلاق أحكام سلبية بحق الأجهزة الأمنية المختلفة، ويصفها بالمتقاعسة أو المتخاذلة عن أداء مهماتها. «تسارعت أحداث المواجهات المسلّحة في مختلف المحافظات والمدن، وما تخلفه وراءها من خراب ودمار، حتى وصلت أخيراً إلى ضواحي العاصمة دمشق»، يقول حسام (29 عاماً) الذي يرفض تحميل الجيش السوري مسؤولية تطورات الحرب الدائرة، ويدين كل من يتهم جيش الوطن بأنّه السبب وراء دمار أحياء بكاملها. «هل علينا انتظار أن تفرض كتائب الجيش الحر سيطرتها على المدن والأحياء تدريجاً؟ من يتّهم الجيش السوري بخراب البلاد عليه بدايةً أن يراقب بحياد ممارسات الجيش الحر، هذه العصابات التي تدعي الدفاع عن الحرية». وأمام القراءات المختلفة لأسباب ونتائج الدمار المتسارع الذي يصيب مجمل المدن والمناطق السورية، يبقى الخاسر الأول والأخير هو المواطن المدني، كما يخبرنا الإعلامي الشاب حسن عارفة، «أخيراً ظهر شعار طريف يقول: بين التطهير والتحرير صار الشعب على الحصير. هذا الشعار خير معبّر عن الوضع بشكل عام، فطرف يتباهى بالتحرير والآخر يتباهى بالتطهير». ويضيف «هناك أبنية وأحياء تدمر بشكل كامل والناس تتشرد. هذه الظروف بيئة خصبة لنمو ظاهرة التسوّل والسرقة، ما يؤثر على المجتمع السوري». يرفض عارفة مجمل التبريرات التي تقدّم للتغطية على تدمير أبنة سكنية مدنية، «هل يوجد مبرّر مقنع لتدمير بناء بكامله إذا كان فيه عناصر مسلحون يتمركزون بداخله؟ فأين هي العمليات النوعية الدقيقة التي تقوم بها الجهات المختصة؟ أيضاً بالنسبة إلى حرب العصابات التي يتكلم عنها بعض الثوار، هل تقوم مبادئها على التمركز في أحياء المدنيين وبيوتهم؟».
في القراءة السريعة لتطورات الحرب الدائرة على عموم المناطق والمدن السورية، من الصعب التنبّؤ بانتصار أحد طرفي الصراع خلال الفترة القريبة. مدن وأحياء كثيرة أعلنت مناطق محررة، عادت لتشهد مواجهات عنيفة جداً، قضت على ما تبقى من أبنيتها ومنازل سكانها، الذين تحوّلوا بدورهم إلى نازحين في بلادهم، أو لاجئين في بلاد العالم كافة.