منذ شهر آذار وحتى آب الماضيين، كان الطيران المدني في اليمن معطلاً بسبب استهداف طيران "التحالف" مطار صنعاء الدولي بصورة متواصلة. كانت الطائرة الوحيدة التي يسمح لها بالهبوط وبالمغادرة هي تلك التابعة لمنظمة الإغاثة الدولية التي تأتي من الأردن محملةً بمواد الإغاثة وتعود وعلى متنها دبلوماسيون أو أجانب، أو طلاب جامعات حاصلون على تأشيرات ابتعاثهم، هؤلاء هم وحدهم القادرون على مغادرة اليمن بسهولة.


وفيما النقل الجوّي معطّل، يخاطر الراغب بالمغادرة إلى سلطنة عمّان بالسفر برّاً، مع كل ما تحمله هذه المجازفة من جنون ورعب. ورغم أن تكلفة الرحلة باتت تتجاوز الـ 1500$ (من ضمنها تكاليف التأشيرة)، لن يهتم المواطن لمبرر تضخم سعر التذكرة التي كانت تكلفتها قبل الحرب لا تتجاوز الـ 500$، جلّ ما يريده هو البحث في الخارج عن مكان آمن وفرصة عمل، بعد فقدانه لوظيفته في اليمن نتيجة الحرب المستمرة منذ ثمانية أشهر.

شيطان "القاعدة" في مأرب

لا شك أن من يحصل على تأشيرة تخوله الدخول إلى سلطنة عمان، هو شخص محظوظ. الطريق البرّي إلى عمان طويلٌ وخطِر، حيث أن 28 ساعة تفصل صنعاء عن الحدود العمانية (غرب)، التي لن تصلها إلا عند عبورك بمحافظة مأرب. وفي مأرب، تستعر الاشتباكات العسكرية وتخضع مناطق واسعة منها لتنظيم "القاعدة" الذي يكفي إسمه فقط لإرعاب الشيطان!
ما إن وصلت الحافلة المحملة المسافرين إلى مأرب حتى تأمر نقطة تفتيش تابعة لحركة "أنصار الله" هناك بالعودة الى صنعاء بسبب المواجهات ولعدم إمكانية التحقق من هوية المسافرين، ما أوجب العودة إلى العاصمة، الأمر الذي احتاج إلى 12 ساعة أصابت الركاب بحنق شديد.
تضم الحافلة خمسين مسافر، بعضهم يقصد الوصول إلى مأرب وبعضهم ذاهب الى المحافظات الجنوبية مثل سيئون والمكلا. ولأن معظمهم من الرجال فقد تعرضوا لتحقيق مطول حول السبب والغاية من سفرهم. وهذا التحقيق شهده المسافرون في كل نقاط التفتيش حتى في تلك التي داخل صنعاء.
في اليوم التالي، وقد أُمر المسافرون بالعودة من النقطة نفسها، سئل أحد عناصر "اللجان الشعبية" الذين يتولون إدارة نقاط التفتيش في العاصمة عن سبب العودة إليها، فكانت الاجابة بأن الهدف هو حماية الركاب، حيث أن جبل واحد يفصل بينهم وبين معركة "قد تستمر حتى الصباح التالي". كما أن أحد أسباب العودة هو عدم امتلاك بعض الركاب من الشباب وثائق ارتباطهم بأعمال معروفة من الدخول إلى مأرب خشية تجنيدهم ضد "أنصار الله" بتمويل سعودي.
في اليوم الثالث، انطلقت الحافلة صباحاً في محاولة أخيرة لاستئناف الرحلة بنجاح. عندما وصلت الحافلة إلى نقطة التفتيش في مأرب، طلب السائق من الركاب ترداد آية: "وجعلنا من بين أيديهم سدّاً ومن خلفهم سدّاً فأغشيناهم فهم لا يبصرون"، ذلك أن النقطة المقبلة تابعة لـ "القاعدة"، ووفقاً لتعبير السائق المتعب: "نقطة بنت كلب".

الغوص في الصحراء

سارت الأمور على ما يرام، واجتازت الحافلة نقطة التفييش بسلام. إلا أنه وبعد قرابة الساعتين من التوغل في مأرب شعرنا بالأرض تهتز تحتنا. لا طيران كان يقصف في ذلك الحين، لكن صوت الأسلحة المستخدمة من قبل المجموعات المنتشرة في المكان كانت تحدث ارتجاجا في المكان. على الأثر، أرغمت نقطة تفتيش "أبناء المحافظة" الحافلة على سلوك طريق آخر بعيد عن منطقة الاشتباك، ما سمح برؤية جمال النخيل والبيوت الطينية في أنحاء مأرب.
عند الوصول شمالاً إلى صحراء الربع الخالي التي يدرس عنها اليمنيون في المرحلة الابتدائية بكونها ثاني أكبر صحراء في العالم، غاصت الحافلة في الجانب اليمني منها قرابة ست ساعات في طريق طويل لا يحاذيه من كل الاتجاهات وعلى امتداد البصر شيئاً غير الرمال.


طلب الشاب الملثم من السائق إقفال الراديو لأن "الأغاني حرام"

ثم لاحت وسط الطريق داخل الصحراء، نقطة تفتيش عسكرية وهو ما أكده الزي العسكري الذي يرتديه العناصر في تلك النقطة التي تتمركز في منطقة العبر الحدودية في حضرموت. توقف السائق للصلاة والاستراحة في المنطقة التي تضم نزلاً للمسافرين، محطة وقود، عيادة صغيرة، ورشة لاصلاح السيارات، بقالة كبيرة، وسيارات وجنودا تابعين لحرس الحدود السعودي.

حياة جديدة

عندما حلّ الظلام، باتت الصحراء خلفنا، أما أمامنا فتقبع نقطة تفتيش عليها شعار "القاعدة" في حضرموت. أسدلتُ الخمار على وجهي، ورددنا جميعاً شهادة "لا إله إلا الله محمد رسول الله"، ألقى الشاب الملثم التحية وطلب من السائق إقفال الراديو الذي يبعث أنغاماً بصوت يكاد لا يسمع. استجاب السائق على الفور مبرراً سماعه الموسيقى بأنها تعينه على البقاء مستيقظاً وهو يقود كل هذه المسافة، فرد عليه الشاب بأن "القرآن الكريم يمكن أن يعينه" فيما "الاغاني حرام لأنها تقسي القلب".
كان الشاب يتنقل بين المسافرين لمعاينة هوياتهم ويسألهم أسئلة بثبات ووضوح، ما يوحي بأنه قد تلقى تدريباً مكثفاً. هذه المرة لم يكن الاستجواب عن سبب السفر أو الجهة المقصودة، بل كان على سبيل المثال: "هل نزل مسافرون في مناطق سابقة؟ كم عددهم؟ كم يبلغون من العمر؟ ماذا كانوا يرتدون؟ ماذا كانوا يحملون؟ كم عدد نقاط التفتيش التي مررتم بها؟ ما الأسئلة التي طرحت عليكم؟ هل كانوا جنودا عسكريين أم مجندي انصار الله وجماعات أخرى؟". وما ان ترجّل من الحافلة، بعدما كرّر السائق عبارات: "لا أعلم، لم ألاحظ، لم أركز"، تجنباً لأي "خطأ"، حتى انطلقنا مسرعين، وعلت أنغام الموسيقى من جديد.
في السابعة صباحاً وصلت الحافلة إلى الحدود العُمانية التي يحتاج اجتيازها الى أربع ساعات لعبور الجبال الخضراء بسيارة خاصة وللدخول إلى السلطنة. وهنا أدرك المسافرون أنهم نجوا من احتمالات موت عدة اعترضت طريقهم، ثم بدأت الاسئلة تتكاثر في أذهانهم: ماذا سنفعل الآن؟ هل سنجد فرصة عمل؟ ما يهمّ هو أن الحرب بكامل رعبها، أصبحت خلفنا، وها هي بداية جديدة بانتظارنا.