حلب | خرجت إلى العلن مجدداً صراعات المجموعات المسلحة المنضوية تحت اسم «الجيش الحر». فهيئة «أمن الثورة» في حلب أعلنت الحرب على لواء «عاصفة الشمال» بعد التثبت من وجود المبرر «الشرعي» الذي يتيح لها محاربته. وكلفت لواء «عمرو بن العاص» لقتال الفئة الباغية «حتى تفيء إلى أمر الله» في أعزاز، التي هجرها معظم سكانها وفقد معظم فعالياتها الاقتصادية العمل منذ بدء المعارك فيها بعد سيطرة المسلحين وفرض الإتاوات والخطف بقصد الفدية والسطو على الأملاك العامة والخاصة.

التوتر بين ثوار اليوم في أعزاز تجاوز ما تكرر مرات عديدة في ريف حلب في الأشهر الماضية. وينذر هذا التوتر اليوم بمواجهات أكثر دموية من تلك التي أعقبت السطو على بضائع المنطقة الحرة في المسلمية، التي تحوي بضائع وأمانات بمليارات الليرات السورية. ووصل التوتر إلى حد قرار تصفية لواء «عاصفة الشمال» وقائده عمار داديخي، الملقب بـ«أبو ابراهيم». واللواء كان قد تم تشكيله في المدينة وريفها عشية إقامة الحكومة التركية مخيم كلس في الجهة المقابلة من الحدود.
صباح الأحد قبل الماضي، أذاعت مساجد المدينة نداءات إلى الأهالي «من له مجاهد عند عمار داديخي فليسحبه». وكلفت «هيئة أمن الثورة» جماعة مسلحة أخرى بقيادة «أحمد عبيد» بالقبض على «عمار داديخي» وإنهاء الوجود المسلح لمقاتليه وأنصاره. كما تم اتخاذ قرار بإلزام أنصاره بيوتهم، بانتظار تشكيل جيش حر جديد في المنطقة، وسط حالة من الحذر تسيطر على الأهالي وفي ظل مخاوف من أن تندلع المعارك في أية لحظة.

«أمن الثورة»

أعلنت «هيئة أمن الثورة»، في بيانها، أن عمار داديخي خارج عن الثورة. وأهابت بمن يقاتل معه جهاداً في سبيل الله الابتعاد عنه، والتزام المنزل بانتظار تشكيل جيش حر جديد. وبدأت هيئة الأمن المذكورة بيانها بآية من القرآن «وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله».
ومن أسباب القرار الأمني الثوري «جرأته (عمار داديخي) على الدين الحنيف وشتمه للإسلام أمام مرأى عدد من الشهود ومسمعهم، ونقضه للعهود والمواثيق مع الهيئة الشرعية لأمن الثورة وهيئة علماء المسلمين لأكثر من مرة».
ومن الأسباب التي عددها البيان «عدم التعاون مع أمن الثورة والاعتقالات العشوائية للمواطنين وأفراد الجيش الحر وتعذيب المساجين بأساليب فاقت في وحشيتها أساليب النظام».
وللقضية بعدها الاقتصادي، حيث «الهيمنة على معبر السلامة الحدودي وفرض أموال على المسافرين والبضائع والسيارات واحتكاره المساعدات الإنسانية»، فضلاً عن فرض الإتاوات على الناس بذريعة «ماذا قدموا للثورة؟».
وكان آخر الأسباب التي فجرت الغضب على أبي ابراهيم «محاولته التغطية على جرائمه بفتح جبهة جديدة وتحويل مسار الثورة إلى حرب أهلية»، في إشارة إلى الهجوم المتكرر الذي نفذه على قرية قسطل جندو التي ينتمي سكانها إلى الطائفة الإيزيدية.
وبحسب البيان، فإن أهداف «أمن الثورة» بعد القضاء على أبي إبراهيم وأتباعه هي «المطالبة بمجلس مدني وشرعي منتخب يقود البلد لتحقيق العدل والأمان، وتشكيل لجنة شرعية منتخبة تضم خيرة العلماء لحل النزاعات بين المواطنين».
وكذلك «تشكيل شرطة إسلامية تابعة للهيئة الشرعية لا تعتقل أحداً إلا بأمر القاضي الشرعي وإنهاء المظاهر المسلحة وإحالة جميع المساجين في سجن عمار داديخي إلى هيئة شرعية مستقلة لبتّ أمورهم، والمطالبة برفع اليد عن مقدرات الثورة ومنع اتخاذ القرار بالقوة».

تنافس على الأموال

يرفض أنصار داديخي التهم الموجهة إلى زعيمهم. «أبو عبيدة»، وهو من أوائل الذين رفعوا السلاح في أعزاز، أشار إلى أن الثورة في هذه المنطقة قامت على أكتاف عمار داديخي، حيث قدم المال واصطدم مع الأمن والشبيحة وجرت ملاحقته. وأضاف «وقتها كانوا يقدسونه، لكن عندما ظهر أن الدولة أصبحت ضعيفة أصبحوا رجالاً وأصبحوا كلهم ثواراً وأصبحنا نحن السيئين».
ويتهم أنصار أبو ابراهيم متزعم لواء «عمرو بن العاص»، أحمد عبيد، بالتحريض على منافسه داديخي لأسباب شخصية وأسباب لا علاقة لها بالثورة، منها محاولة السيطرة على معبر السلامة بغية الحصول على عائداته وعلى المساعدات الإنسانية التي تصل إلى المنطقة.
ويعتبر هؤلاء أن خصومه استغلوا هجومه على قسطل جندو «لنشر الإسلام فيها بين طائفة عقيدتها فاسدة وكفرية، رغم أسماء بعضهم الإسلامية، والتي يسيطر عليها حزب العمال الكردستاني، الشيوعي التوجه والذي يبيح الاختلاط، لكي يطعنوه في ظهره، ويتباكون على الوحدة الوطنية وإن ذلك يتسبب بحرب أهلية في المنطقة».
ويشير هؤلاء إلى أن عمار داديخي هو أول من تصدى للنظام في أعزاز بعد أشهر من التظاهرات السلمية، التي لم تؤثر على النظام في شيء أبداً، ولم توقف قتل إخواننا في حمص وغيرها، فطرد الشبيحة والشرطة والأمن وحاصرهم في مفرزة الأمن العسكري، وباتت أعزاز حرة بفضل لواء عاصفة الشمال.
في المقابل، أكد محمد مسطو، وهو معارض من المدينة، أن عمار داديخي أذاق أهاليها الويلات وجعلهم يترحمون على النظام، لكن لم يكن أحد يقدر على مواجهته، «فحياة الإنسان عنده لا تساوي سوى رصاصة، وبإمكان مسلحيه الخشني الطباع كالشبيحة أن يدوسوا على كرامة أي شخص».
تزايد الاعتقالات في المدينة في معتقل خاص لدى مسلحي داديخي، وخروج بعضهم بعد دفع مبالغ مالية وعليهم آثار تعذيب شديد، بالإضافة إلى اعتقال أحد الشيوخ الشباب، هو ما دفع الأهالي إلى التظاهر والمطالبة بالحرية للمعتقلين عند داديخي والتوقف عن ممارساته بحق الأهالي.
تذمر المواطنين بلغ أوجه عندما هاجم مسلحو عاصفة الشمال قرية قسطل جندو، التي يقطنها مواطنون أكراد من الطائفة الإيزيدية تحت ذريعة دعوتهم للإسلام، الأمر الذي فجر الغضب المتراكم في النفوس حول ممارساتهم، حيث ينظر إليهم بأنهم لبسوا لبوس التدين، بينما لا تفارق ألسنة بعضهم عبارات الكفر وشتم الدين والذات الإلهية.
حسن دربالي، وهو ممن تظاهروا ضد «الممارسات التشبيحية» لمسلحي داديخي، قال «اعتقلوا الشيخ وليد وأيمن علوش، وعبد الله خليل مستو، وخلقوا جواً إرهابياً في أعزاز». ويرى دربالي أن داديخي «لم يُقتَل أو يُعتقَل، لقد اشترى أملاكاً كثيرة في تركيا وأعتقد أنه هرب إلى هناك. الثورة انتهت عنده».
ويبدو أن خصومه وجدوا فرصة سانحة لهم بعد تورطه في الهجوم على القرية الكردية واعتقال أحد الشيوخ. مصدر مقرب من الجماعات المسلحة في أعزاز، قال «الفرصة جاءت على طبق من ذهب للتخلص من عمار داديخي. المتشددون دينياً هم من اعترضوا على هجومه على الإيزيدية بعدما سكتوا عن ممارساته بحق الآخرين من أهلهم ودينهم». وأضاف «داديخي قوي جداً، وله ارتباطات قوية مع المجلس الوطني وتركيا، ولن يكون لقمة سائغة لخصومه، لكن بالتأكيد موقفه أصبح ضعيفاً ولن يعود بإمكانه حكم أعزاز كما كان يفعل سابقاً». وأكد أن «الناس كرهوه، ولم تعد لكلمة ثورة وجهاد نفس التأثير العاطفي عليهم».

البدايات

أعزاز، مدينة استفادت كثيراً بعد خطوات الانفتاح بين سوريا وتركيا، وبعدما كانت تعتمد على تهريب محدود وتبادل سلعي مع محيطها الزراعي. تم إنشاء مستشفى ضخم فيها صمم ليخدم نصف مليون نسمة، لكن أجهزته ومحتوياته تعرضت للنهب، وخرج من الخدمة بعيد سيطرة المسلحين على المدينة.
ومنطقة أعزاز في حلب هي خزان بشري لكوادر حزب البعث التنظيمية والكوادر الإدارية في مفاصل الدولة في المدينة والمحافظة، فمنها خرج الأمين الحالي لفرع حزب البعث. سكانها من خلفيات متنوعة فلاحية وعشائرية، وفيها أكراد وتركمان. يوجد فيها بعض العائلات بتوجهات إخوانية، لكن كان يندر بين أهلها التوجه الوهابي، الذي انتشر في قراها مؤخراً. أما المعارضة التقليدية العلمانية فتقتصر على أفراد قلائل لم يظهر لهم أي تأثير حالياً.
أبو أحمد، وهو مسنّ، لجأ إلى حلب وفقد حفيده في أعمال العنف، يستذكر مجريات الأحداث قائلاً: «دخل الجيش إلى المدينة أواخر العام الماضي بعد توزيع داديخي وجماعات أخرى نحو 500 بندقية على الأهالي مع بث شائعات حول عزم الجيش على إبادة المدينة مثل حماة واغتصاب النساء». وأضاف «حينها سارع كثيرون إلى قبول السلاح، حيث قتل ثلاثة أشخاص لا ذنب لهم خلال إطلاق النار من الجيش والمسلحين، ما فاقم الغضب».
المسنّ الإعزازي، الذي حمّل مسؤولية التصعيد لـ«غرباء متطرفين قادمين من تل رفعت ومارع»، أشار إلى أنه عقب هذه الأحداث «فرض الثوار الإضراب الإجباري وحرقوا عدداً من المحال والسيارات الخاصة للمؤيدين أو لمن يرفض الإغلاق».
هذا التصعيد في أعزاز ترافق مع بدء تشييد مخيم من أبنية مسبقة الصنع في الجهة التركية من الحدود، في الوقت الذي كانت فيه مجموعة داديخي تنمو بسرعة، وقوامها عاطلون من العمل ومهربون تضرروا من التشدد الحكومي في ضبط الحدود رأوا أنه موجّه ضدهم، وآخرون من أرباب السوابق. وقد لاقت مجموعته القبول من الأهالي في البداية لأنها «حامية» للمنطقة، ولأن الاعتقاد ساد بأن «أيام النظام معدودة، وفق الإعلام العربي والعالمي».




نجومية داديخي

عمار داديخي (الصورة)، هو كما يقول الأهالي مهرب سابق، كوّن ثروة من تهريب الممنوعات على خط أعزاز تركيا. وعمل لاحقاً في تجارة المواد الغذائية لتبييض أمواله، قبل أن ينضم إلى الحراك الشعبي. لقّبَ داديخي بـ«فاتح أعزاز»، بعدما تمكن مع مقاتليه من السيطرة على المدينة، وفرض على السلطة إخلاء مفرزة الأمن العسكري بعد معارك عنيفة اشترك فيها مقاتلون من مناطق أخرى، وبينهم عرب وأجانب، ما مكّنه من السيطرة على معبر السلامة مع تركيا. أصبح أبو ابراهيم نجماً إعلامياً بعد تورطه في خطف اللبنانيين. ورغم كل هذا، فإن حاضنة الثورة في المنطقة عادت لتتهم داديخي بالعلاقة مع النظام وبأنه ارتكب الفظائع من أجل تشويه الثورة، الأمر الذي يعتبره مقربون منه ونقلاً عن لسانه طعنة غدر. وإثر بدء المعارك مع الأكراد بعد مهاجمة قسطل جندو، تضاربت الأنباء والروايات حول مصيره. والجديد اليوم هو رواية تذهب إلى أنه خطف من قلب أعزاز، ولم يؤسر أثناء هجومه على قسطل جندو.