القاهرة | الجدل بشأن الإجراءات الضريبية الجديدة التي أعلنتها رئاسة مجلس الوزراء المصري قبل أيام، لم يتوقف بالتزامن مع استمرار الجدل بشأن قرض صندوق النقد الدولي المزمع، في ظل تكتّم كامل من الحكومة وبعثة الصندوق التي تزور مصر للتفاوض حوله حالياً. هذا التكتم أثار حفيظة قطاع من الطبقة السياسية. وتجلى الأمر في الخطاب الذي أرسلته مجموعة من القوى السياسية والأحزاب والجمعيات الأهلية إلى رئيس الوزراء هشام قنديل ورئيسة صندوق النقد كريسيتن لاغارد. وتضمن الخطاب رفض الموقعين عليه للقرض واستنكارهم لما سمّوه غياب الشفافية «عن المفاوضات الخاصة بشروط الاتفاق على القرض، بما في ذلك برنامج الحكومة للإصلاح الاقتصادي». وما ضاعف الاستياء، استمرار المفاوضات في غياب مجلس شعبٍ منتخب، إذ بعدما تم حل مجلس الشعب في الرابع عشر من حزيران 2012، يضطلع الرئيس المصري بالسلطة التشريعية كاملة.


وعليه فإن أي اتفاقٍ يتم تحت هذه الظروف من شأنه انتهاك المبدأ الديموقراطي في فصل السلطات والمتطلب الدستوري المصري الراسخ في إشراف البرلمان على القرارات التنفيذية. إضافة إلى هذا، فإن الاستشارة الجماهيرية التي قامت بها الحكومة حتى الآن، بدعوى التماس ردّ الفعل المجتمعي بشأن القرض، تمت بنحو إقصائي لم يُمَكِّن القوى والتيارات المختلفة من المشاركة فيها، «ما يجعلها غير ممثلة للمجتمع المصري المدني والمجموعات السياسية بشكل تام»، وفقاً للخطاب الذي كشفت عنه المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
ورأى بيان من المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أحد أبرز الجمعيات الأهلية التي ارتبطت منذ نشأتها على نحو وثيق بالحركة العمالية والمطلبية، أن القرض يأتي «تحت مظلة اتفاقية شراكة دوفيل، والتي نشأت في اجتماع القمة الـ37 لدول الثماني الكبار بدوفيل/ فرنسا، وقامت مصر بالتوقيع عليها في أيلول 2011».
وتنص «شراكة دوفيل» على تقديم الدول الثماني الكبار (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، روسيا، فرنسا، إيطاليا، كندا، اليابان، ألمانيا) الدعم التقني والمادي من قروض مالية وتوصيات سياسية لبلدان الربيع العربي، أو للبلدان العربية التي تمر بمرحلة انتقالية بهدف دعم الاستقرار الاقتصادي والدفع بسياسات الإصلاح الهيكلي، على أن تتبع تلك البلدان سياسات اقتصاد السوق المفتوح. ونبّه المركز في بيانه، الذي حمل عنوان «لماذا نرفض قرض صندوق النقد الدولي»، إلى أن «سياسات الإقراض التي قامت عليها التعاملات المالية بين مصر وصندوق النقد ارتبطت باشتراطات سياسية واقتصادية محددة، أدت إلى ارتفاع الأسعار ومن ثم خروج الشعب المصري في انتفاضة 1977، ثم في الثمانينيات، وتحت نظام مبارك، لم يختلف الأمر كثيراً حيث ارتبطت شروط القرض بسياسات انفتاح السوق الاقتصادي، والتي أدت إلى تفاقم الدين الخارجي للبلد، وتخفيض قيمة الجنيه المصري، وما صاحب ذلك من تضخم اقتصادي وارتفاع للأسعار وتقليص لدور الدولة في الإنفاق على الخدمات والحقوق العامة للمواطنين وتفكيك بنية القطاع العام».
وفي هذا السياق، أثار تقرير صدر أول من أمس عن صندوق النقد الدولي، حول توقعاته نصف السنوية بشأن اقتصاديات دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التوقعات مجدداً بشأن ممارسة ضغوط على الحكومة المصرية من قبل بعثة الصندوق.
وبالرغم من أن التقرير توقع أن تشهد معظم اقتصادات دول انتفاضات الربيع العربي تعافياً بطيئاً نتيجة معاناتها من نسبة تضخم مرتفعة، إلا أن صندوق النقد الدولي قال إنه يتعين على بعض الدول، التي لم يحددها، دراسة السماح بمرونة أكبر في أسعار الصرف، أي خفض قيمة عملاتها ومن ثم ارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات.
ووسط هذه النصائح من صندوق النقد الدولي، فإن التعديلات المزمع إجراؤها من قبل الحكومة المصرية على قانون الضرائب نصّت على أن حدّ الإعفاء من الضرائب سيظل ثابتاً وسارياً على من يحصل على دخل لا يتعدى خمسة آلاف جنيه سنوياً (أقل من ألف دولار أميركي). إلا أن المفارقة كانت في أن حدّ الإعفاء أصلاً يبلغ تسعة آلاف جنيه سنوياً، ما يعني ضمنياً أن الحكومة تعتزم تخفيض حد الإعفاء الضريبي على نحو يقع على كاهل قطاع واسع من الفقراء الذين يشكلون الغالبية الساحقة من السكان. هذا الطرح يتعارض مع ما سبق أن كان وزير المال الأسبق، سمير رضوان، الذي تولى منصبه بعد الثورة، قد حاول إمراره من تعديلات على نفس القانون بما يؤدي إلى رفع حد الإعفاء إلى 12 ألف جنيه سنوياً.
الرفض الشعبي المتوقع للتعديلات المزمعة، حاول وزير المال ممتاز السعيد تداركه، لكن تصريحاته ربما تثير زوابع أكبر من بيان مجلس الوزراء نفسه، إذ رأى السعيد أن الإعفاء الضريبي للعاملين في الحكومة يصل إلى تسعة آلاف جنيه ويختلف عنه حيال العاملين في القطاع الخاص الذي لا يتعدى خمسة آلاف جنيه. «وهو بطبيعة الحال ما يهدد بإبطال القانون حال جرى الطعن فيه أمام المحكمة الدستوريه العليا»، وفقاً لرضا عيسى، خبير الضرائب ومؤلف كتاب العدالة الضريبية.
وقال عيسى، وهو عضو بارز في حركة إسقاط ديون مصر، لـ«الأخبار»، «من البديهي أنه لا يجوز دستورياً التفرقة بين المواطنين». وأضاف «الأصل في قضية العدالة الضريبية هو القدرة على السداد فحسب»، محذراً من «التلاعب بالنص القانوني الحالي الذي يتضمن فقط مسميين لمكونات الإعفاء الضريبي». وينص القانون على أن «كل مواطن يحصل على تسعة آلاف جنيه سنوياً يحق له الحصول على إعفاء ضريبي: خمسة آلاف جنيه تحت مسمى الإعفاء الشخصي وأربعة آلاف أخرى تحت مسمى الأعباء العائلية». ولذلك، فإن «الإجمالي في كل الأحوال تسعة آلاف جنيه، بغض النظر عن العمل في الحكومة أو القطاع الخاص».
تداعيات الإقدام على هذه الإجراءات لن تمس الحكومة الحالية فقط، فقد تؤثر سلباً ربما على فرص حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين الذي ينحدر منه الرئيس محمد مرسي، في الانتخابات التشريعية المزمعة، ولا سيما في حال أقدم الرئيس على إصدار مرسوم بقانون يتضمن تلك التعديلات، مستخدماً سلطته التشريعية التي احتفظ بها لنفسه في الإعلان الدستوري المصحح الذي أصدره في آب الماضي بدلاً من انتظار إمراره عبر مجلس الشعب الجديد، كما كشف مصدر رفيع المستوى في وزارة المال لـ«الأخبار» طلب عدم ذكر اسمه.
إلا أن هشام جودة، عضو الهيئة العليا في حزب الحرية والعدالة، استبعد أن تؤثر تلك الإجراءات سلباً على فرص حزبه في الانتخابات المزمعة.
وقال لـ«الأخبار» إن حزبه يرفض تلك الإجراءات التي لا تحقق العدالة الاجتماعية، قبل أن يستدرك بالقول «هذه الحكومة لا تمثل الإخوان. ليست حكومة حزب الحرية والعدالة، كما أن الرئيس لم يعلن بعد موقفه من تلك الإجراءات».