القاهرة | ذاع صيت حزب «مستقبل وطن»، الوحيد الذي أُسس بعد «30 يونيو»، ومؤسسه هو محمد بدران، شاب جامعي، يأتي أول رئيس لحزب في بلد يقود أحزابها ساسة من الشيوخ وكلها قد أسست قبل «ثورة 25 يناير». في هذه المعطيات، التي تشبه قصة محمود بدر (حركة «تمرد»)، تروج التساؤلات عن كون «مستقبل وطن» هو حزب السلطة المنتظر، خاصة أن مموليه قريبون من رجال السلطة والاقتصاد في الدولة، سابقاً (عهد حسني مبارك) وحالياً (عبد الفتاح السيسي).


وكان بدران قد دشن «حملة مستقبل وطن» لدعم ترشح عبد الفتاح السيسي في انتخابات رئاسة الجمهورية، وبعد نجاح الأخير حوّل بدران الحملة إلى حزب سياسي بالاسم نفسه، وتولى رئاسته، ليكون أصغر رئيس حزب في البلاد، متمتعاً بالحظوة والقرب من جميع دوائر صنع القرار.
زاد التوقعات بكون هذا الحزب هو حزب السلطة المقبل، أسوة بـ«الحزب الوطني» المحلول، حصوله على أكبر نسبة من الأصوات الانتخابية بين أحزاب قائمة «في حب مصر»، وذلك بحصوله على تسعة مقاعد، إلى أن تأكد حصاده في المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية 27 مقعداً، ليحل في المرتبة الثانية.
و«مستقبل وطن» لملم بين طياته كل رجال «الحزب الوطني» من المحافظات كافة، ليتحول أعضاؤه إلى شيوخ يرأسهم شاب اسمه محمد بدران، الذي تحول إلى «ماريونت» بيد ممولي الحزب، بل الجهة الأمنية المنوطة بإدارة ملف البرلمان.
حلول الحزب، الحديث النشأة، في المركز الثاني بالانتخابات البرلمانية، جاء بفوز المرشحين عنه، وأغلبهم من أبناء نواب سابقين في «الحزب الوطني»، أو حاصلون على رتبة «لواء» سابق، أو أعضاء في الجهاز التنفيذي في الدولة، ما يوحي بإنشاء «حزب دولتي» بلون سياسي.
والحزب الذي لم يبلغ عامه الأول، يموله عدد من رجال الأعمال الذين يسيطرون على نسبة غير صغيرة من السوق الاقتصادية المصرية. بذلك، فإنه بجانب السيطرة السياسية المتوقعة، ستكون هناك سيطرة اقتصادية كبيرة. ومن المؤشرات التي عززت احتمالية فوز «مستقبل وطن» بلقب «حزب السلطة» هوية رجال الأعمال الممولين، ومن أبرزهم: أحمد أبو هشيمة ــ رئيس مجلس إدارة «مجموعة حديد المصريين»، التي تأسست عام 2010، ونجحت في اختراق صناعة الحديد في مصر، عبر ثلاث شركات قابضة موزعة في محافظات الجمهورية. أيضاً هناك منصور عامر ــ عضو لجنة سياسات «الحزب الوطني» المحلول، وصاحب شركات «عامر جروب»، التي لها أكثر من نشاط في مصر ما بين سكني وغذائي، ويواجه ثلاث دعاوى قضائية متهم فيها، أهمها نهب أراضي الدولة.
كذلك يمول الحزب المنتج السينمائي كامل أبو علي، وهو رئيس النادي المصري السابق، ومساهم في شركات مقاولة، ومتهم بنهب المال العام في بلاغ مقدم ضده. وأيضاً هاني أبو ريدة، وهو عضو «اللجنة التنفيذية للفيفا»، وواحد من التسعة المتهمين في «الحصول على رشى أثناء التصويت على ملفي استضافة كأس العالم 2018 في روسيا، و2022 في قطر»، إضافة إلى عائلة الغنيمي في الإسكندرية، والأشراف ــ من أشهر العائلات القبلية في قنا وقرشي في أسيوط، في جنوب صعيد مصر.
وبرصد التعريفات المختصرة لممولي الحزب يتضح أن أغلبهم متورطون في قضايا فساد ونهب لأراضي الدولة، فضلاً عن عضوية أحدهم السابقة في لجنة سياسات «الحزب الوطني». وبرغم تكرار تأكيدات رئيس الحزب الشاب أنه لا دخل للممولين في سياساته أو قراراته، فإن ما تعرض له بدران من تشديدات خلال المدة الأخيرة إثر حواراته الصحافية التي هاجم فيها بعض الوزراء، تؤكد أن رجال الدولة والحزب يسيطرون على الأمر برمته، ورئيسه ما هو إلا واجهة إعلامية فقط.
الاتهامات التي توالت ضد بدران بأنه الفتى المدعوم من الدولة، أو «الشاب المارينوت» لتحريك الحزب، قال عنها في أحد لقاءاته الإعلامية: «أنا قصة نجاح متواصلة منذ عملي رئيساً لاتحاد طلاب مصر قبل الرئيس عبد الفتاح السيسي، أو حكمه». ويؤكد بدران أن «مستقبل وطن» ليس مجرد «حزب سياسي يهدف إلى تشكيل الحكومة المقبلة»، لكن ذلك بدأ بالفعل عبر التكتل الذي يسعى إلى تشكيله تحت قبة البرلمان بقيادة أعضاء «في حب مصر»، التي جهزتها الدولة لخوض المعركة الانتخابية.
مراقبون للوضع السياسي في مصر يقولون إنّ الحزب دُفع ليكون هو الحزب السلطوي بالفعل، لكن الأمر لم يكن معلناً أو رسمياً أسوة بـ«الحزب الوطني»، الذي كان يرأسه الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك. ويشيرون إلى أن الحزب ليس شبابياً كما يروج له رئيسه، مستدلين بنتائج الانتخابات البرلمانية التي نجح فيها 27 مرشحاً للحزب من الشيوخ، لا الشباب، ليكون ظاهره شبابياً وباطنه رجال الدولة التنفيذيين، وهو تماماً نهج «الحزب المحلول».