يحرص السياسيون الإسرائيليون على تجنب تسمية الرد الفلسطيني على اعتداءاتهم بأنها انتفاضة، حرصاً على ألا يتحملوا سياسياً المسؤولية عن تفجير الغضب الفلسطيني والانتفاض على هذا الواقع، ويعملون دوماً على توصيف ما يجري بأنه ليس سوى «موجة إرهاب» امتداداً لما واجهته إسرائيل طوال تاريخها. أما المستوى الأمني، الذي يسلك السلوك نفسه برغم اختلافه مع السياسيين في جوانب عديدة خلال الأيام الماضية، فيبدو متمسكاً بعدد من المعايير التي تستند إلى سوابق محددة في إطلاق عنوان الانتفاضة، وربما أيضاً يتخوف من أن إطلاق صفة الانتفاضة على ما يجري سيكون تغذية لها ودعوة للجمهور الفلسطيني إلى المزيد من الانخراط في الأحداث.


وتتسع دائرة الاعتبارات السياسية لتطاول أيضاً تحديد نقطة انطلاق الحراك الفلسطيني الشعبي والمقاوِم. فمن جهة، يرى الجيش أن نقطة انطلاق ما لا يسمونه انتفاضة، هي الأول من تشرين الأول الماضي، فيما يرى وزير الأمن، موشيه يعلون، أن نقطة البداية هي 11 أيلول الماضي، عندما تمترس شبان فلسطينيون في المسجد الأقصى، وهو يريد بذلك، القول إن «التحريض» الفلسطيني حول الأقصى هو السبب الأساسي لما يجري.
مع كل ما تقدم، وبعيداً عن العبارات والألفاظ التي تتجاذبها العوامل السياسية وغير السياسية، يتعامل الإسرائيلي مع ما يجري في فلسطين على أنه مواجهة غير مسبوقة في أساليبها وسعة انتشارها ومفاعيلها في الساحة الإسرائيلية. بل يبدو أنه يتوقع الأسوأ. وفي أقل الأحوال، يجهل آفاقها ويستعد لكل السيناريوات برغم ما يفترض من تسلط استخباري على الواقع الفلسطيني، وهذا ناتج من أسباب جغرافية وتاريخية وسياسية وأمنية (التنسيق مع أجهزة أمن السلطة).


الأمن الإسرائيلي والفلسطيني
يرفضان تسمية انتفاضة كلٌّ لأسبابه

ضمن هذا الإطار، يأتي ما نقله المعلق العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، عن أن جيش الاحتلال يستعد لمواجهة «انتفاضة متواصلة» في الضفة المحتلة، بما في ذلك القدس، عبر الاستعداد لتجنيد آلاف الجنود في الاحتياط مطلع السنة المقبلة 2016. ووفق الصحيفة، فقد وصلت هذا الأسبوع أوامر الاستدعاء إلى جنود أربع كتائب احتياط لعمليات عسكرية في الضفة، بدءاً من كانون الثاني المقبل، وهو ما رأى فيه هرئيل غيضاً من فيض، خاصة أن خطط العمليات والتدريبات التي وضعتها شعبة العمليات في هيئة الأركان العامة للجيش تضم أربعة «خطوط» (قطاعية) لكتائب كهذه خلال العام المقبل.
ويعني ذلك أيضاً أن جيش العدو يستعد لاحتمال أن يضطر إلى استخدام نحو 70 كتيبة من الاحتياطيين في الضفة خلال 2016 في عمليات عسكرية لم يُخطَّط لها مسبقاً، وتبلغ كلفتها نحو 300 مليون شيكل (1 دولار = 3.75 شيقل). ولفتت الصحيفة أيضاً إلى أن قيادة الجيش لا تستطيع أن تعرف كم من الوقت ستستمر المواجهة الجديدة مع الفلسطينيين، لكنها تستند إلى افتراض عملي صارم بأن عملية التهدئة ستستغرق أشهراً عدة.
أما عن أسباب «الموجة» التي تشهدها الأراضي الفلسطينية، فلا يزال رجال الأجهزة الأمنية يتمسكون بموقفهم، وهو أن ما يجري ليس انتفاضة، وتنضم إليهم في ذلك السلطة الفلسطينية، كلٌّ لأسبابه. جهاز «الشاباك» مثلاً استند إلى تحليل نماذج منفذي العمليات، وخرج بأن «المحفزات نابعة من إحساس بالاضطهاد القومي والاقتصادي والشخصي، ومن مشكلات شخصية ونفسية». وبرغم أن هذا التفسير لم يذكر مباشرة كلمة الاحتلال، فإن التعمق في هذه العبارات يخلص قهراً إلى أن حقيقة الموقف الفلسطيني تعود إلى رفضه الاحتلال وكل إفرازاته.
في المقابل، رأى رئيس الاستخبارات العسكرية، اللواء هرتسي هليفي، قبل أيام، أن «أحد أسباب الإرهاب الحالي هو الإحساس بالغضب والإحباط في وسط الفلسطينيين، وخاصة الأجيال الشابة التي تشعر بأنه ليس لديهم ما يخسرونه». وتوقف هرئيل عند أبعاد ما ينطوي عليه هذ التفسير لجهة أنه يتعارض مع ادعاءات رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، بأن «الإرهاب ينبع من الرغبة في القضاء على إسرائيل، وليس من الإحباط نتيجة تعرقل العملية السياسية».
يقول الخبراء، كما تنقل «هآرتس»، في الانتفاضتين السابقتين، إنه كانت هناك فكرة موحدة ــ خطة عمل ذات أهداف محددة نسبياً؛ وفي مرحلة مبكرة جداً تبلورت قيادة منظمة وبرزت مشاركة جماهيرية. أما في «موجة الإرهاب» الحالية، فلا وجود لأيٍّ من هذه العناصر الثلاثة، ولهذا السبب «يتحدثون في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية عن تصعيد متواصل، وفي السلطة يصفون الأحداث بالهبة، أي إنها تمرد محدود زمنياً وليست انتفاضة طويلة ومستمرة». لكن التدقيق في ذلك، يخلص إلى أن ثمة أسباباً سياسية وراء هذه الصيغ، فالاعتراف بقيام وضع جديد ومستمر سيفرض على الطرفين تغيير سياستيهما، وهذا ما لا يرغبان فيه.
تناقش «هآرتس» هذه التعاريف بالقول: «لماذا ينبغي بالضرورة اعتماد هذه المعايير لتحديد الأحداث التي تجري على أنها انتفاضة ثالثة. إذ كان واضحاً منذ البداية، أنه لن يكون هناك نسخ دقيق مع أي من السوابق. وربما باختبار بسيط، يستند إلى استمرار الأحداث، وعدد الإصابات (12 قتيلاً إسرائيلياً مقابل نحو 80 شهيداً فلسطينياً)، والشعور بتدهور الأمن، المؤثر في القرارات اليومية لمئات آلاف الإسرائيليين وتافلسطينيين، يدفع بالضرورة إلى اعتبار ما يجري على أنه انتفاضة، خاصة أن ما يجري ينطلق من الأسفل، من الميدان، دون سيطرة مركزية من الجانب الفلسطيني، وتقريباً غير موجه».
ورأت الصحيفة أنه برغم الأعداد القليلة المشاركة في التظاهرات الفلسطينية، وتشابه أعداد الشهداء الفلسطينيين خلال المدة الموازية من الانتفاضة الثانية، فإن «الخسائر الإسرائيلية مشابهة تقريباً لتلك المدة نفسها». وخلصت إلى أن «مدة وعدد ووتيرة العمليات تزيد على الموجات السابقة في الضفة والقدس قبل سنة وقبل سنتين»، وأن ما يجري هو «انتفاضة منفذين أفراد، ينطلق كثيرون منهم بدافع اليأس، وبناء على قرار اتخذ خلال مدة قصيرة، وغير مرتبط بالضرورة بالوضع الاقتصادي لعائلاتهم». ورأت أيضاً أن استخدام مصطلحات مثل «موجة إرهاب وتصعيد» ينطوي على درجة من التضليل، لأن «الوضع الجديد مماثل لانتفاضة أكثر من أي تعريف آخر».