القاهرة | أروى تلميذة الحضانة طلبت من والدها عبد الرحمن عبد الرحيم أن يحل الواجب معها، وعندما ذهب الوالد المكلوم إلى مكان الحادث تعرّف إليها، لكن من كتبها. محمد جمال شحاتة ترك في مكان المأساة دفتره الذي يحمل اسمه، ويشير إلى أنه من «أولى رابع». حكايات وذكريات اكتظت بها قضبان السكك الحديدية في مصر، التي شهدت أول من أمس الحادث السادس لها في عهد الأشهر الخمسة للرئيس محمد مرسي.

وأدى اصطدام قطار وجهاً لوجه بأوتوبيس ينقل التلاميذ من منازلهم الى مدرستهم إلى وفاة 50 طفلاً، انضموا إلى مسيرة الإهمال التي تفوّق فيها مرسي على نظيره مبارك. هكذا استيقظت مصر على فاجعة جديدة وكارثة تفوق مجزرة بحر البقر، عندما قامت القوات الجوية الإسرائيلية في 8 أبريل 1970 بعملية إرهابية قصفت خلالها مدرسة بحر البقر، وأدت إلى مقتل 30 طفلاً وإصابة 50.
فأول من أمس الموعد كان في أقصى جنوب مصر، وتحديداً في قرية الحواتكة التابعة لمركز منفلوط في محافظة أسيوط. حادث القطار هذه المرة يختلف كثيراً عما تعوّد المصريون سماع أخباره في الآونة الأخيرة. أما رد الفعل الرسمي على الحادث الذي أدمى قلوب المصريين، فجاء باهتاً. الرئيس محمد مرسي، الذي وصلت حوادث السكك الحديد في عهده إلى 6 حوادث، وخلفت عشرات القتلى والمصابين، اكتفى بكلمة قدم فيها تعازيه إلى أسر ضحايا الحادث. ولم ينس مرسي إعلان قبول استقالة وزير النقل، محمد رشاد المتيني. وهو ما أعاد الى الأذهان الموقف السياسي الوحيد الذي يذكره البعض لمحمد مرسي عندما كان نائباً في البرلمان عام 2005. يومها قدم الأخير استجواباً إلى حكومة عاطف عبيد عن كارثة «قطار الصعيد»، الذي راح ضحيته 361 مصرياً. في حينه، طالب مرسي بإقالة الحكومة ووجه انتقادات لاذعة إلى رئيسها، مشيراً إلى أن «ما يحدث في مرفق السكة الحديد هو مهزلة بكل معنى الكلمة». وأضاف «التقصير لم يكن بسبب المواطنين، بل بسبب إهمال المسؤولين».
وردد مرسي خلال استجوابه، الذي اختير بسببه أفضل برلماني وقتها، «لا يوجد كبير على الحساب»، لكن بعدما تبدل الحال وانتقل مرسي من خانة المعارض الى خانة الحاكم فعل ما كان يفعله رجال مبارك، سواء عاطف عبيد أو أحمد نظيف، واكتفى بالتضحية بوزير النقل لكي تستمر الحكومة. وهو الأمر الذي أثار حالة من الرفض والاستهجان، دفعت البعض إلى التعليق على رد فعل مرسي قائلين «إنت مش إنت وإنت رئيس».
أما رئيس الوزارء هشام قنديل، فعمد إلى زيارة مكان الحادث والتكلّم عن تعويض أسر الضحايا والمصابين بمبالغ نقدية، والتأكيد أن الحادث معروض على جهات التحقيق، ومن تثبت إدانته فسيحاكم. حرص قنديل على زيارة مستشفى أسيوط الجامعي لتفقد المصابين لم يمر من دون رد فعل من الأهالي الغاضبين، الذين تظاهروا ضده، وطالبوه بالرحيل، ما أجبره على الخروج من المستشفى، لكنه لم ينس أن يأخذ بعض الصور له مع الشهداء والمصابين ليحفل بها ملف إنجازه الوظيفي كرئيس وزراء مصر بعد الثورة.
أما جماعة الإخوان المسلمين، والحزب الناطق بلسانها، فلم يفتهما استغلال الحادث سياسياً، بحيث لم يجد نائب رئيس الحزب، عصام العريان، للتعليق على الحادث سوى المطالبة بعودة البرلمان لكي يحاسب الحكومة. أما باقي قادة الحزب، فتفرغوا لإثبات أن تكرار حوادث السكك الحديد يتحمله الرئيس السابق حسني مبارك وأذناب نظامه، دون توضيح ماذا يجب أن يفعل مبارك من داخل سجنه للنهوض بقطاع السكك الحديدية.
خبراء هندسة الطرق أكدوا أن مصر في طريقها إلى حوادث مماثلة طالما لم تتضح رؤية الحكومة وتتمخض عن استراتيجية لتطوير قطاع النقل على نحو عام. ويرى أستاذ النقل وهندسة المرور في جامعة الأزهر، إبراهيم مبروك، أن حالة السكك الحديد في مصر يرثي لها، وخصوصاً أنها تعتمد على الطرق التقليدية، بل البدائية، في تسيير قطاع السكك الحديدية. وأكد أن البلاد تحتاج الى إعادة تأهيل كل ما يتعلق بالسكك الحديدية واستخدام التكنولوجيا، مرجحاً أن تنتهي تحقيقات النيابة العامة إلى تحميل المسؤولية لموظف التحويلة، الذي غلبه النوم ونسي أن يغلق الطريق أمام حافلة المدرسة التي تقل الأطفال، وهو ما أدى الى وقوع الحادث.
وطالب مبروك الحكومة بتحمل مسؤولياتها والاعتراف بخطئها وتأخرها في تطوير هذا القطاع، وهو نفس المطلب الذي رفعته الأحزاب المعارضة لحكم جماعة الإخوان المسلمين. حزب الدستور الذي يقوده المعارض محمد البرادعي، رأى أن «حوادث القطارات المستمرة نتاج لفشل الإدارات الحكومية المتعاقبة على مدى عقود مضت، لكن استمرار تلك الحوادث بعد الثورة، يعد مؤشراً واضحاً إلى افتقاد الحكومة الحالية الرؤية السياسية، وإلى عجزها عن ترتيب الأولويات الوطنية».