الجليل | الحقيقة أنه لا أحد توقع أن يبدأ الأمر بهذه الطريقة. لم تسبقه التهديدات الاعتيادية قبل كل حرب، لم تتوعد إسرائيل بالرد على المقاومة بكل «قسوة» أو بلا تردد. على العكس، لقد نشرت إحدى الصحف الإسرائيلية أن الحديث كان يدور على وقف إطلاق نار طويل المدى... وتتالت المفاجآت! هكذا، سريعاً أخذ المشهد يستحضر مشاهد أخرى... كما لو أن الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 2006 تعد بتكرار مفاجآتها. لم تتوقف المقاومة في غزة عن مفاجأتنا يوماً بعد آخر. فالصواريخ المحلية الصنع التي أطلقت باتجاه المدن الإسرائيلية وصلت إلى تل أبيب، وصارت جملة السيد حسن نصر الله «ما بعد بعد حيفا» تعاد «بتصرف»، إما عملياً على أيدي المقاومة، أو من أفواه الداعمين لها، لتصبح «ما بعد بعد تل أبيب»! والمدهش حقيقةً أنها وصلت إلى ما بعد تل أبيب! هكذا سقطت صواريخ المقاومة على أطراف مختلفة: في منطقة «غوش دان»، وهي منطقة مركز «البلاد» (كما يسمى الداخل الفلسطيني المحتل) والتي تمثّل أكبر منطقة تجمع سكاني في إسرائيل، وتل أبيب ليست إلا مركزاً لها، أي إنها قلبها.

واستمرت مفاجآت المقاومة للإسرائيليين، وللعالم أجمع، حين لم يتوقف القصف على تل أبيب، بل تعداها إلى استهداف مبنى البرلمان الإسرائيلي «الكنيست» في القدس نفسها.
وعلى الرغم من أن الصوا++++++++++++++++++++++++++++++++++++ريخ سقطت في منطقة مفتوحة ولم تصل إلى هدفها المنشود، إلا أن استهداف القدس وحقيقة وصول الصواريخ إلى هذا المدى كانا كافيين ليصيبا بالذهول كل العالم. مفاجأة سارة للبعض ومرعبة للآخرين.
يذكر الناس هنا أن آخر مرة سقط فيها صاروخ في القدس المحتلة كان سنة 1970 (حسب مصادر إسرائيلية رسمية)، أما آخر مرة وجّه فيها صاروخ إلى تل أبيب فكان خلال حرب الخليج حين قصف صدام حسين المدينة. هنا الجميع بات يعرف أن ما يحدث ما هو إلا بداية لتاريخ جديد!
في هذا الوقت، تستمر الحرب... ولا يبدو أنها ستتوقف قريباً. هذا ما يتوقعه الناس هنا. لا إسرائيل ستوقف الحرب إلا حين تحرز مكاسب تجعلها تدّعي أنها أعادت هيبة الردع لصورتها، وقضت على صواريخ المقاومة البعيدة المدى، ولا المقاومة في غزة التي أطلقت حتى الآن حسب الإحصائيات الإسرائيلية ما يفوق ألف صاروخ باتجاه المدن والمستوطنات في جنوب البلاد.
الضفة أيضاً تغلي. تخرج بين الفينة والأخرى تظاهرات منددة فتحدث اشتباكات مع الأمن الوقائي أو الجنود الإسرائيليين. أما هنا في مناطق الخط الأخضر، فإن الشارع لا يقل غلياناً: يومياً، منذ بداية العدوان على غزة، تنظم وقفات احتجاجية في قرى ومدن مختلفة، كانت أولاها الوقفة التي حصلت في جامعة حيفا، وقد استقطبت تغطية إعلامية واسعة في الصحافة العبرية، وكانت مستفزة للرأي العام الإسرائيلي إلى أبعد مدى. والسبب؟ لأنها حدثت مباشرة مع بداية العدوان!
تل أبيب المقصوفة، بعيدة عن شمال البلاد، حيث يوجد التركيز الأعلى للفلسطينيين في مناطق الخط الأخضر. صواريخ المقاومة الفلسطينية لا تصل إلى هناك (على عكس صواريخ حزب الله في عام 2006). لهذا كانت ردود الفعل تعبّر عن الإعجاب بوصول صواريخ المقاومة المحلية الصنع إلى تل أبيب.
ولم يختلف الرأي العام في البلدات العربية على رفض العدوان على غزة. هو الرأي الموحد ذاته، الصادر في كل عدوان يحصل بحق الفلسطينيين هناك في الضفة أو القطاع. ومع أن ردود الفعل والاحتجاجات لا تزال ضعيفة (وربما بسبب المفاجآت نفسها) سواء داخل الخط الأخضر أو الضفة)، إلا أن الحياة عادية رغم قصف تل أبيب. في نهاية المطاف، لم تختلف الأمور كثيراً عن يوم قصف حزب الله حيفا في حرب 2006، كل ما اختلف هو الجهة الجغرافية للقصف فقط.
أما الفلسطينيون القاطنون في منطقة مركز البلاد وجوار تل أبيب، فقد كانوا أكثر إعجاباً من الذين يسكنون شمال البلاد، فهم يسمعون صفارات الإنذار وهي ترعب سكان تل أبيب ومنطقة غوش دان (أكبر تجمع سكاني في إسرائيل).
أحدهم كتب على «فايسبوك»، عندما أطلقت أول صفارة في تل أبيب وقد كان وقتها مسافراً في القطار: «برغم أن القطار توقف ويرفض التقدم بعد سماع الصفارة، إلا أنني سعيد»!
غيره كثيرون سُعدوا بتأكيد خبر سماع الصفارة ووصف مظهر «الصهاينة» وهم يهرعون إلى الملاجئ مع كل صفارة.




مواجهة في الجامعة

العدوان الذي بدأ يوم الأربعاء الماضي مع اغتيال «رئيس أركان حماس» أحمد الجعبري، ما لبث أن انعكس على وجوه طلاب الجامعة العرب، ولا سيما مع بداية إعلان سقوط الشهداء من أبناء غزة. هنا أعلن الطلاب العرب الوقوف دقيقة صمت لأرواح الشهداء في ساحة الجامعة المركزية، إلا أن الرأي العام في الجامعة تلقّاها على أنها دقيقة صمت حداداً على استشهاد أحمد الجعبري. من هنا نقلت الصورة للإعلام العبري الذي قام بتضخيمها وتأليب الرأي العام ضد الطلاب العرب في جامعة حيفا خاصة وباقي الجامعات عامة.
خلال الوقفة الصامتة التي استفزت الطلاب الصهاينة في الجامعة (وعلى لسان شهود عيان من الطلاب اليهود)، «كنت ترى الطلاب العرب صامتين وفي الجهة المقابلة لهم وقف الطلاب الصهاينة يصرخون احتجاجاً على وجودنا في الجامعة. الصمت الذي قابلناهم به استفزّهم أكثر من الوقفة بحد ذاتها. والقدرة التي اكتسبناها على مرّ سنين في كبح أعصابنا ضد استفزازاتهم أثارت جنونهم؛ كان المنظر يبدو واقعياً وحقيقياً جداً بدون أي تمثيل أو تجميل: أحدهم يصرخ بجنون مستعر في وجه آخر صامت لا يرد عليه بكلمة». بعد هذا المشهد، انفضّ الطلاب العرب ليكملوا يومهم، في حين ازداد جنون الطلاب الصهاينة الذي اكتمل بأنباء عن قصف تل أبيب مساءً!