عندما يبيع العميل نفسه لدولة لا تعرف طريقاً سوى الإجرام، لتحقيق مآربها وأطماعها من أرض وشعب ليس لها فيهما أدنى حق، وتريد سرقة الأرض وإبادة شعبها، لتقيم كياناً هشّاً لن تنعم بالسلام يوماً فيها، يصبح ذلك العميل خائناً لوطنه وعائلته وأرضه وعرضه، ويصبح ابن إسرائيل، يعمل على حمايتها بكل ما أُوتي من قوة وإرادة. إنها حكاية العميل أشرف عويضة (30 عاماً)، الذي أقدمت «كتائب الشهيد عز الدين القسام» على تنفيذ حكم الإعدام بحقه، في اليوم الثاني من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزّة، وإلقاء جثته في شارع الجلاء وسط مدينة غزّة، وعلى جثته لافتة تُعلن الكتائب فيها مسؤوليتها عن إعدامه، وتتوعّد العملاء بمزيد من القتل لتُطهر الشعب من خياناتهم، الذي غالباً ما تتلطخ أيديهم بدماء القادة.

العميل عويضة، كان يقبع في سجن الأمن الداخلي التابع للحكومة المقالة بتُهمة العمالة، وأقرّ بنفسه بأنه كان السبب وراء اغتيال 15 قيادياً من حركة «حماس»، في تسجيل متلفز. وقال إنه خان وطنه وأهله وأرضه بدافع المال، لأنه أراد أن يبيع ضميره ونفسه كي يصبح من أصحاب الأموال الكثيرة، وخصوصاً أنّه كان يعيش في حالة مادية غير ميسورة.
ومن بين القادة الذين رصد تحركاتهم، عبد العزيز الرنتيسي، إسماعيل أبو شنب، صلاح شحادة، إبراهيم المقادمة، مسعود عياد، سعيد صيام، وغيرهم. إضافة الى اغتيال القادة، انخرط في تدبير شائعات من شأنها إرباك الساحة الغزّية، وكانت بدايتها إطلاق شائعة حول سهى عرفات، زوجة الرئيس الراحل ياسر عرفات، بشأن شركة «البحر» التي أسستها، وبأنها سرقت أموالها وهربت من القطاع. ومن عرفات، انتقل إلى حركة «حماس»؛ فكان يستغل ركاب سيارات الأجرة بعد أسر الجندي الصهيوني جلعاد شاليط، ليحاول استدراج الركاب لتجميع معلومات عن مكان احتجازه.
لا يختلف اثنان على أنّه لولا هؤلاء العملاء المخلصين لإسرائيل، من أمثال العويضة، لما تمكن العدو من تصفية قيادات لها تاريخها النضالي الكبير، استطاعت أن توجع الصهاينة بضرباتهم الفدائية، ولقنت قادة الاحتلال دروساً لن ينسوها، هذا إضافة إلى موقع الوازن داخل الشارع الفلسطيني. وكان لرصد تحركاتهم مساهمة كبيرة في تمكين جهاز الأمن الإسرائيلي «الشاباك» من تنفيذ اغتيالاته.
ولا يمكن هزيمة إسرائيل دون القضاء على عملائها، الذين لُوّثت أيديهم بدماء أبناء شعبهم، لذلك ارتأت فصائل المقاومة، منذ البداية، أنّه يجب القضاء على ظاهرة العمالة، فطاردت العملاء في كل مكان، لكنها لم تستطع السيطرة عليهم، الى أن وصلت حركة «حماس» إلى سدة الحكم. لم تقض عليهم بالكامل، لكنها قيّدت تحركاتهم، باستثناء قلة منهم، تعمل بصعوبة نادرة.
وغالباً ما يسقط العملاء في شباك الاحتلال من خلال وسائل عدة يستخدمها «الشاباك» للإيقاع بهم، منها الحاجة المالية عبر استغلال ظروف المواطنين الصعبة، وخصوصاً الذين يعيشون في المناطق الحدودية القريبة منهم، فيتم إغراؤهم بالمال مقابل الإدلاء بمعلومات بسيطة عن تحركات بعض الأشخاص. ربما يستسلم البعض، ويظن أنّه استطاع التخلص منها، لكنه يقع في الشبكة، التي لا يمكن الفرار منها إلا ميتاً، حسب ما عبر عن ذلك أبو حسن، أحد أقرباء عميل لإسرائيل فضل عدم الكشف عن اسمه.
ويقول أبو حسن «ابن عمي لم يكن يوماً سيئ الأخلاق، لكنّه وقع ضحية الفقر والعوز، ولم يكن يستطيع أن يخبرنا بما يقوم به، وكذلك لم يستطع التخلص من ورطته، فكان يجد نفسه يتورط شيئاً فشيئاً». ويضيف «عندما أعلنت الحكومة في غزة فتح باب التوبة للعملاء، خاف أن يزداد تورطه بالعمالة، وخصوصاً أنه لم يتورط في قتل أحد، جاء وأخبرني قصته، وأراد أن يستشيرني بالأمر، على الفور أخبرته بأنه يجب أن يسلم نفسه، وأنا ذهبت معه إلى الحكومة ليبلغ عن نفسه مقابل أن تعفو عنه، حكمت عليه الحكومة بالسجن عاماً مع النفاذ، لأنه لم يتورط بقتل أحد». لكن الصهاينة لم يتركوا عميلهم السابق بحاله، فكان نصيبه التصفية والقتل من خلال غارة إسرائيلية استهدفت المنزل الذي كان يعيش فيه في شمال القطاع.
ضرورة القضاء على العمالة في الوطن هو أمر لا خلاف عليه في الشارع الفلسطيني. وتقول شيرين خليفة (30 عاماً) «من يتورط في العمالة لا يجوز إبقاؤه على قيد الحياة. من يخن وطنه لا خير فيه».
بدوره، يطالب حمدي حميد بإعدام كل من يقع في العمالة ويشارك فيها، لأنه يعتبر بأنّه ميت من الأساس ولا فائدة من وجوده على قيد الحياة بجسد لا حياة فيه، فيما يشدد تيسير البلتاجي على ضرورة القبض على العملاء، ولكن أن «يتم إعطاؤهم فرصة التوبة، أو سجنهم مدى الحياة في حال تورطهم بشكل كبير، لأن مسألة فقدان الحياة صعبة جداً».
يعيش العملاء حياة لا أمل فيها، فهم يبقون متخوفين من أن ينكشف أمرهم، وكذلك الحال لا يمكنهم الثقة بإسرائيل، التي سرعان ما تتخلى عنهم في حال كشف أمرهم، أو تقدم على إعدامهم عندما ينتهي دورهم، على اعتبار أن من يخون وطنه لا يمكن الثقة به.
سناء...