غزّة | لم يعلم المصوّر في قناة القدس الفضائيّة، خضر الزهار، أنّها ستكون المرّة الأخيرة، التي يقف فيها وراء كاميرته، لنقل جرائم الاحتلال الإسرائيلي، خلال تصعيده الذي يستمر لليوم الخامس على التوالي، عندما باغته، فجر أمس، صاروخ من طائرة «أباتشي»، استهدف برج شوا وحصري، الذي يضم مكاتب صحافيين وإعلاميين. خضر، بُترت ساقه وتركته بعاهة مستديمة. وأُصيب معه 5 صحافيين آخرين، بينهم زميلنا في «الأخبار»، شعيب أبو جهل، وُصفت حالتهم ما بين المتوسطة والخفيفة.

ولم تكتف طائرات الاحتلال ببرج شوا وحصري، بل استهدفت برج الشروق، المخصص أيضاً للصحافيين، فيما أكّد الصليب الأحمر أنّه تم إبلاغهم من قبل الاحتلال بضرورة إخلاء البرجين لأنه ينوي استهدافهما مرة أخرى.
ولم يقتصر استهداف الصحافيين في أماكن عملهم، بل تعدّى ليصل الى عائلاتهم الآمنة في منازلهم، كما حدث مع الزميل الصحافي سامي العجرمي، الذي تركه نبأ إصابة ابنته الصغرى بيسان، التي لم تتجاوز العشرة أعوام من عمرها، وبتر ذراعها جراء قصف استهدف منطقة التوام شمال القطاع، مشلولاً عن الحركة تماماً لساعات طويلة.
الصحافيون في غزة هم الأشخاص الذي ينقلون الحدث ويفضحون جرائم العدو أمام العالم، لكن في لحظة ما يتحول الراوي إلى بطل الرواية ليعيش ما لم يكن يتوقعه. هكذا كانت حال سامي، عندما التقته «الأخبار» ليروي تفاصيل ما جرى مع طفلته. يقول «عندما سمعت الخبر كنت في تشييع جنازة الشهيد أحمد الجعبري، شعرت بأن الدنيا تدور من حولي، لم أشعر بما حولي، تركت الجنازة وهرعت إلى المستشفى، لعلّي أستطيع إنقاذ حياة ابنتي». ويتابع «طوال فترة التصعيد، لم أشعر به، كان كل همي كيف أخرج ابنتي إلى أفضل المستشفيات لتتعالج هناك، وهو ما تم بالفعل، والآن أنا انتظر نتائج العملية الجراحية التي ستجريها غداً».
لكن ذلك لن يمكن سامي من العودة إلى الميدان وملاحقة جرائم الاحتلال لكشفها، فهو يشعر بأنه أضعف من التفكير بأي شيء سوى ابنته. يقول ودموعه تنهمر «كيف سأستطيع أن أرى الأطفال الجرحى، وأخفف عنهم وأنا بحاجة إلى من يخفف عني، ففاقد الشيء لا يُعطيه».
ولم تجد إسرائيل أمامها أهدافاً لتثبت لجمهورها أنّها قادرة على التصدي لقذائف المقاومة، إلا النيل من الصحافيين الذين ينزلون الى الميدان في ظل القصف المتواصل لطائرات العدو الإسرائيلي، التي لا تفرّق بين مدني ومقاوم، وأصبح الصحافيون في مرمى نيران الاحتلال، هم وعائلاتهم.
وقبل سامي، كان الزميل في «بي بي سي»، جهاد المشهراوي، على موعد مع الموت، بعدما انتزعت منه مجازر الاحتلال ابنه عمر الذي لا يتجاوز العام، في غارة استهدفت منزل العائلة، في حي الصبرة وسط مدينة غزة، كان كل ذنبه أنّه يعيش في بقعة أرضية تتحكم في جوها طائرات استطلاع لا يتعدى طولها المتران، لكنها قادرة على قتل العشرات في صاروخ واحد.
ووصلت جثة الطفل عمر إلى مستشفى الشفاء الطبي متفحمة تماماً، في صورة هزت الضمير العالمي، وكانت شاهداً على مدى إجرام الاحتلال. لم يتوقف مصاب المشهراوي عند وفاة ابنه، لقد وصل ابنه الثاني الى المستشفى، بعدما أُصيب مع عمه بجروح خطيرة، وتُوفيت أيضاً زوجة أخيه الحامل في شهرها السادس.
لم يعلم جهاد أنه في يوم من الأيام سيكون قصة إنسانية تتداولها الصحافة. هو يُعرف بتفانيه بالعمل الصحافي وسط المخاطر، غير أن هذه المرّة حال مصابه دون نزوله الى الميدان، إلا بعد فترة، وكأنّ إسرائيل تريد من وراء استهداف هؤلاء الجنود إسكاتهم ومنعهم من كشف جرائمها.
الزميل في «الأخبار» شعيب أبو جهل، كان من ضمن الصحافيين الذين أُصيبوا إصابات طفيفة خلال الغارة على برج شوا وحصري. يقول إن «الصحافيين هم جنود الميدان، حالهم كحال العسكري الذي يدافع عن الأرض ببندقيته، ولكن نحن ندافع عن أرضنا بأطهر سلاح وهو نقل الصورة الحقيقية للعالم، لنكشف هوية الجاني، ونأخذ الثأر للضحية منهم»، موضحاً أن قدرتهم على تجنيد الرأي العام لصالح الضحايا هو أكبر انتصار لهم من الجناة. ويؤكد أبو جهل أنه مهما تلقى الصحافي من صدمات، إلا أنه يعود إلى الميدان أقوى من السابق، وذلك من أجل دفع الضرر عن الأبرياء، مشيراً إلى أن مهنته تتطلب ذلك. فما بال إن أصبح هو أحد الضحايا؟
ويعيش الصحافيون حياة الطوارئ وقت الأزمات، يتغيبون خلالها عن منازلهم لأيام معدودة، وربما لا يجدون مكاناً ليريحوا أجسادهم عليها سوى بعض الأرائك الخشبية، التي تتعبهم أكثر مما تريح أعضاءهم التي لا تتوقف لساعات طويلة.