مع بداية عملية «عمود السحاب» على غزّة الأسبوع الماضي، جنّد جيش الاحتلال الإسرائيلي طاقاته لتجميل صورته أمام الرأي العام العالمي من خلال وضع ثقله في الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي. هذه السياسة ليست جديدة على قاموسه الحربي، فاستثمار الجانب الإلكتروني مشروع إسرائيلي قديم يشهد تطوّرات مستمّرة.

إذا كان أحد شعارات الجيش الأميركي هو «الجيش يحتاج إلى قلّة من الرجال الجيّدين»، فإنّ «الوحدة 8200» في جيش الاحتلال الإسرائيلي اتّخذت لنفسها شعاراً آخر: «الجيش يحتاج إلى قلّة من القراصنة الجيّدين».
قبل ثلاثين عاماً، حرصت شعبة الاستخبارات العسكرية «أمان» ـــ أحد أكبر الأجهزة الاستخبارية الصهيونية ـــ على إنشاء «الوحدة 8200» المتخصصة في مجال التجسس الإلكتروني. يومها، رأى الرئيس السابق للشعبة الجنرال المتقاعد أوري ساغيه أنّ هذا القسم هو أحد أهم الوحدات الاستخبارية في الكيان العبري على الإطلاق.

اليوم، وقبيل العدوان على غزّة، نشرت تقارير إسرائيلية تؤكد أنّ قوات الاحتلال تعمل على تعزيز قدراتها في الحرب الإلكترونية، فمن المقرر أن يستثمر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أفيف كوخافي أكثر من نصف مليون دولار أميركي لهذه الغاية في السنوات المقبلة. وفيما تُتهم الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل بشن اعتداءات إلكترونية في العديد من بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فمن شبه المؤكد أنّ مهمة المسؤولين العسكريين الإسرائيليين تنحصر حالياً في «رصد عباقرة الكومبيوتر الشباب» داخل المجتمعات اليهودية في الخارج و«إقناعهم بالهجرة إلى إسرائيل لتبوّء مناصب مربحة والتحوّل إلى جيش إلكتروني».
في بداية الشهر الحالي، نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الإسرائيلية تقريراً يكشف أنّ مديرية القوى العاملة في القوات الإسرائيلية لاحظت وجود «نقص في القوات القتالية الإلكترونية». وأشار التقرير إلى أنّ سعي القيادة العسكرية إلى البحث عن الأفراد المناسبين خارج البلاد جاء بعد اقتناعها بأنّ «التركيز على الداخل لا يكفي»، كما وصف ضابط رفيع المستوى في الجيش الخطة بـ«المشروع الصهيوني الوطني»، آملاً أن يؤدي استقدام هؤلاء إلى مجيء عائلاتهم إلى «أرض الميعاد».
صحيح أنّ استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والهجمات الإلكترونية ليس جديداً في السياسة الإعلامية ـــ الحربية الإسرائيلية، إلا أن طريقة استخدامها في الحرب الحالية مختلفة تماماً، وخصوصاً حين انشغلت «وحدة الإعلام التفاعلي» بكل أشكال المواقع التواصلية.
ومن الواضح أنّ كبير المتحدثين باسم جيش الاحتلال يوآف مردخاي يؤمن بأنّ التغريد حول ما يجري في غزّة «سلاح ناجح» في ظل «المعاناة» الإسرائيلية في مجال العلاقات العامة. وفي الوقت الذي يواجه فيه الإسرائيليون تحديّاً في تحسين علاقاتهم بالوسائل الإعلامية الرئيسية، استخدم مكتب مردخاي تويتر لتحذير قيادات «حماس»، إضافة إلى التحديث الدائم للصور والأخبار ومقاطع الفيديو، مستحدثاً هاشتاغ خاصّة #PillarOfDefense. وسرعان ما تحوّلت المسألة إلى «حرب متبادلة» بين حركة المقاومة الإسلامية والعدو.
جيش الاحتلال وجد طريقه إلى يوتيوب أيضاً، محمّلاً كمّاً هائلاً من مقاطع الفيديو لـ«بطولاته» ولـ«المأساة الإسرائيلية». وعلى الرغم من حذف الموقع الذي تديره غوغل لفيديو عن عملية اغتيال القائد العسكري في الحركة أحمد الجعبري، غير أنه عاد و«اعتذر» من خلال نشر رسالة تؤكّد أنّ الحذف تم عن طريق «الخطأ».
صفحة فايسبوك الخاصة بالجيش الإسرائيلي عرفت حراكاً كبيراً، إذ شهدت سيلاً من التعليقات وتحديثاً مستمرّاً للأخبار والمواقف الداعمة لإسرائيل، إضافة إلى تطبيق «إنتساغرام» لتبادل الصور، فضلاً عن تسخير المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي أفيخاي أدرعي كل حساباته الشخصية الافتراضية لكشف «ادعاءات حماس»، وإبراز «جمال إسرائيل والطبيعة السلمية لأهلها».
قد يكون استنفار العدو على مواقع التواصل الاجتماعي محاولة لمواكبة «تطورات العصر». لكن الأكيد أنّ هناك قوّة على الأرض شهدت تغيراً نوعياً في عملها الميداني والإعلامي، فارضةً على العدو تغييراً ملحوظاً في أدائه!




أبطال الزمن الافتراضي

أعلن مسؤولون إسرائيليون أنّ عدد محاولات القرصنة التي أجريت لمواقع حكومية إسرائيلية منذ الأربعاء الماضي بلغ 44 مليوناً. وحول مصادر هذه المحاولات، أكد وزير المالية الإسرائيلي يوفال شتاينتز أنها أتت من مختلف أنحاء العالم، لكن معظمها من الداخل، معتبراً أنها تمت على أيدي «إرهابيين فلسطينيين». وأوضح شتاينتز أنّ 10 ملايين منها طاولت موقع الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، و7 ملايين موقع وزارة الخارجية، فيما تعرّض موقع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لثلاثة ملايين محاولة.
وقد نجحت مجموعة «أنونيموس»، بالتزامن مع بدء العدوان، في اختراق الكثير من المواقع الإسرائيلية، وتمكّنت من توقيف موقع مصرف إسرائيلي لبعض الوقت، احتجاجاً على المجازر التي يقوم بها الكيان الغاصب.