إلى جانب تغطية الوضعية الميدانية للحرب ومسار الاتصالات السياسية لإنهائها، تُعدّ مواكبة الجبهة الداخلية محوراً أساسياً في مواكبة وسائل الإعلام الإسرائيلية للمواجهة الدائرة مع قطاع غزة. وفي كل يوم تفرد الصحف العبرية صفحات واسعة تعرض فيها حالة المدن المستهدفة بصليات المقاومة وأجواء التوتر التي يعيشها سكانها تحت وطأة الخشية الدائمة من سقوط الصواريخ.


في ما يأتي عيّنة لمقتطفات من هذه الصحف تقدم نموذجاً للأثر الذي تتركه حجارة سجيل المقاومة الفلسطينية في العمق الإسرائيلي وعلى ناسه.

تل أبيب

الحرب يوم الخميس كانت بعيدة نسبياً، وكان الشعور بأن الأمر يتعلق بحوادث متفرقة في جنوب البلاد. كما في كل صباح، كانت المقاهي تغص بالزبائن والكورنيش بالمتنزهين والمولات بالمتبضعين، إلى أن اخترقت صفارة الإنذار الهدوء في الواحدة والنصف تماماً. سُمعت الصفارة في كل أرجاء المدينة وفي المدن المجاورة، مذكرةً الجميع بأن تل أبيب موجودة أيضاً في مدى الصواريخ. ركض المتنزهون للاحتماء في الملاجئ وتحت الأسقف. بعد تسعين ثانية صدر صوت انفجار.
في ظل صواريخ الفجر، انزوى الروتين جانباً مخلياً المكان للشيء الحقيقي. الصفارات مزقت حصانة تل أبيب. الحركة في الشوارع خفيفة، الأضواء فيها تبدو نعسة. فقط مدخل أحد الملاجئ في شارع موتسكين يشهد حركة نشطة. يحتفلون فيه بعيد ميلاد أحد سكان الحي بدل أن يقيموا الحفل في أحد النوادي. «انظر ماذا فعلت بنا صافرتا إنذار؟»، تشكو إحدى النادلات. «يوم الخميس كان كارثياً». عندما اخترعوا شعار «تل أبيب مدينة من دون توقف» لم يخطر ببالهم على ما يبدو سيناريو كالذي يمر على المدينة هذه الأيام. الوضع الأمني في منطقة الوسط أثر على الأجواء وعلى النشاط في المقاهي والنوادي. حتى أولئك الذين اختاروا الخروج من البيت لا يمكنهم تجاهل الأجواء الثقيلة وغير المريحة.
لكن ثمة من رأى النصف الممتلئ من الكوب. «أقيم في المدينة منذ 20 عاماً ولم أر طوال هذه الفترة هذا القدر من الأماكن الشاغرة لركن السيارات»، يقول أحد سكان المدينة.

القدس

صافرة الإنذار سمعت بعد وقت قصير من دخول السبت. الصواريخ ضبطت سكان المدينة غير جاهزين. معظمهم لم يكن يعلم أنهم في المدى الصاروخي للفلسطينيين، وبعضهم اعتقد أن حرباً إقليمية اندلعت وأن الصواريخ تتساقط من إيران. مسؤول رفيع المستوى قال: «لقد فاجأنا ذلك جداً لأننا لم نكن نعلم أن لديهم سلاحاً بهذا المدى وأنه ناجح. لقد كان ذلك خارج تقديراتنا. في أعقاب سقوط الصاروخين في محيط المدينة فُتحت الملاجئ». لم نعتقد أنهم سيطلقون صواريخ على القدس؛ فهذه مدينة يسكن فيها الكثير من العرب. يبدو أن هذا الأمر لا يعنيهم، يقول أحد سكان المدينة. يعلق آخر: «لقد صوبوا باتجاه منزل ليبرمان الذي يقيم في مستوطنة غوش عتسيون» المحاذية للقدس. يصحح له زميله: «بل كانوا يستهدفون الكنيست».

عسقلان

حيّ «غفعات تسيون» في المدينة. بعد الرابعة عصراً يبدأ أفراد العائلات الست التي تقيم في الملجأ العام منذ أربعة أيام بإدخال طناجر الطعام. هم ينامون هنا ويأكلون هنا ولا يخرجون تقريباً من الملجأ. لا يجرؤون على ذلك. توضح إحداهن: «نحن هنا منذ بداية العملية. نخرج فقط للاستحمام. أما الأولاد، فأنا أحممهم على مدخل الملجأ مستخدمة القناني». تعترف بأن «الأجواء ضاغطة».
فجأة تنطلق صافرة الإنذار. تصرخ بأولادها: «صافرة، صافرة، قولوا لأبيكم أن يدخل إلى الملجأ». تضيف: «انظروا... لا مدارس، والقسّام يتساقط، لكننا مستعدون لأن نتحمل... فليمحوهم فقط». زميلتها تعلق: «يكفي. لينتهِ الأمر. لقد كان الملجأ حتى الآن بيتنا الثاني. الآن مع عمود السحاب أصبح البيت الأول».

أسدود

مع افتتاح محال الغذاء في أسدود، سارعت سليفي كوهين للعثور على عربة لملئها. «يجب علينا أن نسرع. لا خيار أمامنا. الجميع ملّ من إطلاق النار باتجاه بيوتنا، لكن علينا أن نُعدّ الطعام. أصلّي فقط ألا يسقط علينا علينا شيء خلال التبضع». الزبائن وموظفو الصناديق يبدون مذعورين ومضغوطين، لكنهم يحاولون الحفاظ على شيء من الروتين. «هذا غير سهل. التبضع تحت النار فيما الجميع يشعرون بالضغط ويريدون فقط العودة إلى الملجأ. لا خيار أمامي إلا الخروج؛ لأن أحداً لا يعلم متى تنتهى العملية وأين ستسقط الصواريخ»، تقول ميري دافيد. التوقعات المتشائمة للمتسوقين ظهرت أنها صحيحة. صلية كثيفة من الصواريخ أطلقت باتجاه المدينة الجنوبية ظهر أمس وأحد الصواريخ أصاب مبنىً سكنياً وسبب ضرراً كبيراً لعشرات الشقق.

بئر السبع

عدد الصواريخ التي سقطت حتى مساء أمس على بئر السبع تجاوز 110 صواريخ. أكثر من ضعف الكمية التي سقطت في المدينة خلال عملية «الرصاص المصبوب» بأكملها والتي استمرت ثلاثة أسابيع. ظهيرة أمس سمع صوت صافرة الإنذار وفي أعقابها دوي انفجارين. كما في بقية المدن، حالة الذعر تسيطر على الأجواء، والناس يتوزعون بين الجلوس في الملاجئ والبحث عن مجال آمن ليحتموا فيه، كأدراج المباني وغيرها.