غزة | جاءت زيارة وفد الأحزاب والحركات السياسية المصرية، الذي ضم عشرات من أصحاب الخلفيات المختلفة يترأسهم سعد الكتاتني، رئيس حزب الحرية والعدالة، لغزة أمس، لتحمل رؤى وانطباعات متعددة، للمشاركين فيها، فضلاً عن أنها كشفت أن غزة 2012 ليست هي غزة 2008؛ فما بين الحربين جرى في النهر ماء كثير، مع تجدد الثوابت الفلسطينية كالصمود والمقاومة، وكرم الضيافة في ظل معيشة صعبة لكثير من أفراد العالم العربي والإسلامي. عالم تنتظر منه غزة الدعم المادي والمعنوي دوماً. وكانت زيارة هذا الوفد إحدى صور الدعم والتضامن، حيث لخص الكتاتني هدفها في عبارة رددها أكثر من مرة خلال تفقد الوفد لأنقاض مقر مجلس الوزراء ومنزل عائلة الدلو، ومستشفى الشفاء، هي «أننا جئنا لنبلغ رسالة مفادها أن مصر بعد الثورة باتت مختلفة ولم تعد كنزاً استراتيجياً للكيان الصهيوني، بل كنزاً للعرب وللفلسطينيين وأن الدعم لهم مفتوح بكل أشكاله».


من بين الاختلافات، التي رصدتها «الأخبار» خلال مرافقتها للوفد وحديثها مع أعضاء متنوعين منه، بل مع أفراد من القوة الأمنية المكلفة حمايته، أو مع بعض أهل غزة نفسها، أن حجم الإعمار الذي نالته غزة خلال مدة 4 سنوات كان كبيراً، وهو ما لاحظه كل من حمدي حسن وحسين إبراهيم ممثلي المنتدى الدولي للبرلمانيين الإسلاميين اللذين جاءا إلى غزة في 2009 وشاهدا حجم الدمار، وهو ما اعتبراه «قدرة مذهلة على الصمود وحب الحياة رغم رؤية سيناريو الموت بشكل متكرر».
رؤية كلا الطرفين أكدتها لافتة وضعت على الطريق الرئيسي في قطاع غزة الممتد لنحو 40 كيلومتراً، كتب عليها اسم «مدينة ترفيهية»، فضلاً عن انتشار قاعات لإقامة الأفراح. إلا أن القدرة على الصمود والجمع بين البكاء والفرح، من خلال التمسك بالأمل، تلخصها حال الحاج شحته ربيع خليل الدلو ( 82 عاماً)، الذي جلس في عزاء عائلة ابن أخته محمد الدلو، أمام المنزل الذي ضرب قبل يومين وقتل من أسرته 11 فرداً غالبيتهم من الأطفال والنساء.
فالحاج شحته، كما يروي «للأخبار»، طرد سنة 48 من أرضه الأصلية في الضفة الغربية، التي ما زال يتمسك بصك ملكيتها، أملاً في العودة إليها. يستند إلى عصا مرتدياً الزيّ الفلسطيني المعتاد في تمسك رمزي بالجذور، متحدثاً بفخر عن عائلته الكبيرة المجاهدة. يلفت الى أنه لا يوجد حزن دائم، فالحياة يجب أن تسير، والعائلة قررت أن يكون الحزن لمدة 20 يوماً فقط، وبعدها يتزوج الرجل الذي فقد زوجته من يريد، «فكلما قتلوا منا أنجبنا الرجال حتى يحرروا الأرض».
هذه الحال لم يختلف عنها الحاج خالد الدلو الجالس بجواره بنفس الهيئة ويبلغ 70 عاماً، مشدداً على أنهم يعلمون أن الشهداء في الجنة ومن ثم لن يخرجوا من أرضهم مهما كان الثمن، رافضاً ما يتردد عن أن أهل غزة سيستجيبون للفكرة القائلة بتوطينهم في سيناء أو غيرها.
ومن بين الاختلافات الأخرى التي رصدها النشطاء الفلسطينيون المدنيون، كالشاب خالد الشرقاوي، أن الوضع بات أفضل حالاً من عام 2008، «فالخبرة التي اكتسبناها جعلتنا قادرين على نقل مواطنين من أماكن الخطر إلى أماكن آمنة، بنحو أيسر، فضلاً عن أنهم باتوا أكثر احترافية في مواجهة الآلة الإعلامية الإسرائيلية على الإنترنت، من خلال التصوير والتحرير الفوري والميداني». إلا أن الشرقاوي اشتكى من قلة التنسيق وعدم القدرة على التواصل بشكل شبكي بين النشطاء، بما يقلل من حجم الجهد أحياناً.
وعلى الجانب الأمني، قال أحد العناصر المكلفين حماية الوفد لـ«الأخبار»، فضل عدم ذكر اسمه، إن «إسرائيل لديها فزع من الأرض الخالية لظنها أن قوة صواريخ حماس الجديدة تطلق من هذه الأراضي». واستشهد هذا العنصر «بمقتل 5 مزارعين خلال يوم أمس، من بينهم 3 أشقاء وأب وولده، وهم ليسوا مقاومين، لمجرد وجودهم في أراضٍ بور، فضلاً عن قصف ملعب غزة أول من أمس»، لافتاً إلى أن حماس طورت قدراتها العسكرية، بحيث لم تعد تحتاج إلى أن تستخدم مساكن المدنيين لإطلاق صواريخها، ما أفقد إسرائيل ذريعتها في استهدافهم.