في موازاة التصعيد العسكري الاسرائيلي الذي واصل استهداف المدنيين العزل لليوم السادس على التوالي من دون أن ينال من المقاومين أو صواريخهم، كانت تجري مفاوضات حثيثة في القاهرة من أجل التوصل الى تهدئة. وحتى كتابة هذا التقرير كانت بوادر التوصل الى هذه التهدئة قريبة جداً.


وذكرت القناة العاشرة في التلفزيون العبري أن تقدماً خارقاً سُجّل على طاولة المفاوضات الجارية في العاصمة المصرية، وباتت الأطراف قريبة جداً من توقيع اتفاق تهدئة، مشيرة الى أن الطرفين، الاسرائيلي والفلسطينيي، توصلا بمعية الأطراف الثلاثة الأخرى، الى وثيقة اتفاق وقف إطلاق النار، وقبلا بالخروج مع مكاسب أقل مما كانا قد طلباه في بدء المفاوضات. وقالت القناة إن الوثيقة التي عملت عليها القاهرة، موجودة حالياً في مكتب رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، وإذا ما لاقت موافقة منه، فإن إعلانها سيكون قريباً جداً.
وكانت وسائل الاعلام العبرية قد ذكرت أن المنتدى الوزاري التساعي عقد جلسة خاصة لاتخاذ قرار بشأن الاقتراح المصري حول التهدئة. وبدأت الجلسة عند التاسعة مساءً وتوقفت مؤقتاً منتصف الليل للاستراحة، قبل أن تُستأنف، في خطوة عكست وجود خلافات حول الموقف من مطالب حماس والجهاد.
وكان لافتاً تفهّم المعنيين لعدم التسريب كي لا يؤثرّ ذلك على مسار المفاوضات، كما كان لافتاً إطلاق المقاومة 4 صواريخ فجراً على عسقلان ردّت قوات الاحتلال عليها بغارات على القطاع، ما يعني أن الملف كان لا يزال محور «شدّ ورخي».
وقالت الإذاعة العبرية إن إسرائيل تطالب الفصائل الفلسطينية بوقف إطلاق النار ليوم أو يومين حتى تهدّئ روع الجمهور ثم النظر في بقية بنود الاتفاق. وادّعت أن الاتفاق ينص على تعهد «حماس» بعدم المس بجنود جيش الاحتلال، في مقابل تخفيف الحصار عن قطاع غزة، مشيرة الى أن الاتفاق سيكون لفترة طويلة قد تمتد لسنوات تحت إشراف دولي.
من جهتها، نقلت وكالة الأنباء الفلسطينية (سما) عن مصادر مطّلعة قولها إن اجتماعاً حاسماً يجري بين رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، وقيادة الجهاد الإسلامي برئاسة رمضان عبد الله شلح، مع مدير جهاز الاستخبارات العامة المصرية، رأفت شحاتة، بشأن حصيلة الجهد المصري في ما يتعلق بالتهدئة. وتوقعت المصادر أن تقدّم مصر خلال ساعات رداً نهائياً لإسرائيل بشأن موقفي حماس والجهاد، ومطالبهما لإقرار عملية التهدئة.
أما وكالة «معا» فنقلت عن القيادي الفلسطيني نبيل شعث أن هناك تنسيقاً كاملاً بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومشعل بشأن ما يجري من مفاوضات وقف إطلاق نار شامل. وقال إن مشعل أبلغه أن المفاوضات دخلت مرحلة جادة لوقف إطلاق النار، لكنه في الوقت ذاته استبعد أن يتم تحقيق ذلك خلال الفترة القليلة المقبلة، لأن هناك شروطاً تفرضها إسرائيل ولا تريد أن تلتزم بشروط حماس والفصائل.
وأشار شعث الى أن إسرائيل تخلت عن شرط كان من المستحيل تحقيقة، وهو أن توقف حماس بشكل نهائي إطلاق الصواريخ على إسرائيل وتسلم أسلحتها، وفي المقابل ألا تلتزم إلا بعدم استهداف المدنيين.
وأكد أن تركيا وقطر تشاركان بقوة في المفاوضات، ولكن كل شيء يجري من خلال الرئيس المصري.
وأشار الى أن مشعل أبلغه أن حماس مستعدة للعودة الى طاولة الحوار الوطني فور انتهاء العدوان الاسرائيلي.
وعقد مشعل مؤتمراً صحافياً في القاهرة، أشار فيه الى أن «الحرب الأولى على غزة خلال ثلاثة أسابيع قد حققت توازناً نسبياً، اليوم المقاومة حققت هذا التوازن خلال ساعات، ونتنياهو الذي أراد أن يرمم قدرته في الردع فشل. هو اليوم في ورطة. أراد أن يختبر مصر فكان الجواب المصري واضحاً وجلياً. وأراد أن يختبر الربيع العربي، فوجد مدى التفاف شعوب الربيع العربي حول غزة وشعبها. وأراد أن يجرّب سلاحه فوجد النتيجة وفشل أسلحته».
وأشار الى أن «من طلب التهدئة هو نتنياهو. طلبها من أميركا وأوروبا، وأخيراً طلبها من مصر. فشعبنا في غزة لا يريد التهدئة، بل يريد حقوقه... لا نريد حرباً برية، لكن إذا أرادوها فلن يكونوا بخير».
وشكر مشعل الرئيس المصري محمد مرسي «والإخوة في تونس، وشكراً لقطر التي ساهمت في إعمار القطاع، وكل من له يد في كسر الحصار، وقد أجرينا لقاءات مكثفة، مع (رئيس الوزراء التركي رجب طيب) أردوغان ورئاسة الاستخبارات».
في الجانب الإسرائيلي، توالت مواقف المسؤولين الإسرائيليين الذين أطلقوا رسائل في أكثر من اتجاه، إذ نقلت وكالة «رويترز» عن مسؤول رفيع مقرّب من رئيس الوزراء الاسرائيلي قوله إن «إسرائيل تُفضّل أن ترى حلاً دبلوماسياً لمواطني إسرائيل في الجنوب، وفي حال كان هذا الأمر ممكناً فلن تكون هناك حاجة للقيام بعملية برية، أما في حال فشلت الدبلوماسية فقد لا يكون أمامنا خيار سوى الدفع بقوات برية».
أيضاً، أكد نائب رئيس الوزراء ووزير الشؤون الاستراتيجية موشيه يعلون لموقع «واللاه» العبري، أن إسرائيل لم تصل حتى الآن إلى مرحلة عملية عسكرية برية، لكنه هدد حماس وفصائل المقاومة بأنه في حال لم يتوقف إطلاق الصواريخ فلا مفر من القيام بهذه الخطوة، وفي حال تمت فإن إسرائيل لن تبقى في القطاع، مقارناً بما فعلته خلال عملية السور الواقي، في الضفة الغربية عام 2002.
أيضاً أعرب يعلون عن رضاه عن موقف الرئيس المصري وأدائه، مُقرّاً بأنه «قد يكون حدث تراجع في الردع الإسرائيلي لأن حماس تعتقد بأن النظام المصري يدعمها، وأنا لا أعتقد أنها على حق».
في الإطار نفسه، أكد وزير المال يوفال شطاينتس أن إسرائيل تقف على مفترق طرق، إما باتجاه التصعيد نحو توسيع نوعي للعمليات العسكرية أو التهدئة، وأكد أنه في حال تم التوصل إلى اتفاق فلن يشمل فقط وقف النار، بل أيضاً تهريب السلاح إلى غزة، مشيراً إلى أن إسرائيل على استعداد لوقف النار لكنّ خيار الحسم مطروح على الطاولة.
من جهة ثانية، أعلنت وزارة الخارجية المصرية أن الوزير محمد كامل عمرو سيتوجَّه إلى قطاع غزة اليوم في زيارة تضامنية ضمن وفد وزاري عربي. ومن المنتظر أن يرافق وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو الوزراء العرب في زيارة غزّة، وفقاً لما أعلنه مكتب أردوغان، فيما وصل، أمس، الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الى القاهرة.
وفي اليوم السادس للعدوان، صدرت مواقف دولية متعددة، حيث اتهم أردوغان الأمم المتحدة باتخاذ موقف غير عادل تجاه المسلمين، كما وصف إسرائيل بالإرهابية لقصفها غزة، فيما دعت السعودية الى إجبار إسرائيل على وقف عدوانها.
وفي الدوحة، دعا رئيسا الوزراء القطري حمد بن جاسم آل ثاني والإيطالي ماريو مونتي الى التهدئة ووقف النار في غزة، وذلك خلال مؤتمر صحافي مشترك.
وقال آل ثاني «نحن مع التهدئة، لكن التهدئة يجب أن تتم بوضوح وعدم السماح لأي طرف بأن يستمر باغتيال شخصيات ويدخل في معارك جانبية ويطلب من الطرف الآخر تهدئة مئة في المئة... التهدئة يجب أن تكون من الطرفين».
وأكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، في مكالمة هاتفية مع نظيره الفلسطيني رياض المالكي، أن «قصف المناطق الجنوبية في إسرائيل والغارات الإسرائيلية غير المتكافئة على قطاع غزة أمر غير مقبول».
بدوره، أجرى الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد اتصالاً مع نظيره المصري، واتفقا على ضرورة إیجاد إجماع دولي للحیلولة دون استمرار العدوان الصهیوني علی غزة. كذلك اتصل الرئيس الأميركي باراك أوباما بمرسي وطلب منه أن تضع «حماس» نهاية لإطلاق الصواريخ على إسرائيل.
(الأخبار)




شروط المقاومة

عرضت وكالة «معا» الفلسطينية لشروط «حماس» والفصائل بشأن التهدئة وتتضمن: رفع الحصار بشكل كامل عن قطاع غزة، ووقف توغلات الجيش الإسرائيلي، ووقف استهداف قادة الفصائل، أي الاغتيالات، ووقف الاعتداء على الصيادين وإطلاق النار عليهم.
وكانت مصادر إسرائيلية وفلسطينية قد سرّبت شروط إسرائيل لوقف إطلاق النار، وتتضمن هدنة طويلة الأمد (أكثر من 15 عاماً)، ووقف دخول الأسلحة إلى غزة، ووقف إطلاق الصواريخ من «حماس» والفصائل، وكذلك استهداف الجنود الإسرائيليين على الشريط الحدودي، وحق إسرائيل في المطاردة الساخنة إذا تعرضت للهجوم أو لديها معلومات عن هجوم، وأن يكون رفع الحصار عن القطاع من خلال رفح وبتنسيق بين مصر و«حماس»، وليس من خلال معابر إسرائيل، وأن تكون الاتفاقيات الموقّعة مع السلطة الفلسطينية غير مطبّقة نهائياً، وخصوصاً الاقتصادية والسياسية، وأن تكون مصر سياسياً (محمد مرسي) هي الضامن لهذه الاتفاقية وليس أجهزة الأمن المصرية، بمعنى آخر أن تكون الضمانة سياسية وليست أمنية.