غزة | انفجارات عنيفة تهز أرجاء قطاع غزة، ونيران تشتغل لساعات متواصلة قبل أن تصلها سيارات الدفاع المدني لإخمادها بعد جهد وعناء كبيرين، وسط مخاوف من استهداف جديد للمكان ذاته من طائرات الاحتلال الإسرائيلية التي اعتادت أن تسمح للمواطنين بالتجمع في مكان الحدث، ومن ثم تعاود كرتها في القصف مرة أخرى لتوقع أكبر عدد من ضحاياها. كانت هذه هي الألعاب النارية التي تقدمها الدولة العبرية وحكومتها اليمينية المتطرفة لأطفال غزة، احتفالاً بمناسبة يوم الطفولة العالمي.


وأبت إسرائيل إلا أن تلون يوم الطفل العالمي في غزة بلون الدم الذي أسالته من أجساد أطفال أبرياء في قطاع غزة لا حول لهم ولا قوة. فلونت يومهم بدماء أشقائهم وأمهاتهم وآبائهم ورفاقهم، في مجازر جماعية نفذتها آلياتها الحربية بحق عائلات فلسطينية بأكملها بعدما هدمت البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وتركتهم جثثاً.
الطفل محمد حجازي (6 أعوام) عيدته إسرائيل بارتكاب جريمة بشعة بحق عائلته، بعدما استهدفت منزلها في معسكر جباليا شمال القطاع، وأجبرته على أن يمسح دماء رفيقه الشهيد غيث حجازي عن الأرض بعدما كانا يلعبان معاً، وأصبح اليوم في صفحة الذكريات. ويقول الطفل حجازي: «الطيارة قصفت بيت عمي، وأنا كنت خايف كتير، ما عرفتش ليش قتلوا ابن عمي اللي كنت بلعب معه، هو ما دخلوش في إشي. احنا بس كنا نلعب بالشارع». وبراءته تملأ ملامحه وهو يحاول أن يزيح الدماء عن الأرض التي امتلأت بها.
ويقول شقيقه الأكبر إبراهيم (12 عاماً): «أولاد عمي أطفال لم يطلقوا صواريخ في يوم من الأيام، فهم لا يزالون صغاراً، لماذا قتلتهم إسرائيل؟ هل تحب أن يقتل أحد أطفالها، نحن من حقنا أن نعيش بأمن وأمان كما هي حال أطفال العالم»؟
أما هدية مريم العطار (11 عاماً) فكانت من نوع آخر. فهي شردت مع عائلتها من شمال القطاع إلى مدارس الأونروا في مدينة غزة، هرباً من موت محتم، بعدما ألقت عليهم الطائرات الإسرائيلية مناشير تؤكد لهم استهداف المنطقة التي يعيشون فيها، وأنه يجب عليهم إخلاءها فوراً. مشهد يتكرر للمرة الثانية لمريم التي شهدت أحداث عملية الرصاص المصهور الإسرائيلية عام 2008، حيث تشردت عائلتها في الوقت ذاته تقريباً، وفي المدرسة نفسها.
وأكدت مريم التي بدأت برسم صور من ذاكرتها عن الأيام التي قضتها مع عائلتها في أيام الرصاص المصهور، مشيرةً إلى أن هذه المرة أشد قساوة من سابقتها، حيث إنها لا تشعر وعائلتها بأمان في هذه المدرسة، وإنها تشعر بوصول القصف إليهم في أية لحظة وإسقاط صاروخ الموت عليهم. وتقول مريم: «إحنا خفنا نضل بالبيت لحسن يقصفونا زي ما عملوا أيام زمان، قتلوا عمي ومرته وولاده، ولهلقيت لسة بنتذكرهم، ما بدي أعيش الحرب والخوف مرة تانية».
ويبدو الخوف واضحاً على مريم، فهي لا تريد أن تموت وهي طفلة دون أن تحقق أحلامها فتقول: «أنا ما بدي شي. بدي اليهود يبطلوا يقصفونا، ويشردونا، بدي أروح على المدرسة وأحمل كتبي، وأعيش زي العالم والناس وأموت لما ربنا بده اياني أموت وما أموت وأنا مقطعة». وانهمرت بالبكاء وهي تقول «في الحرب هادي أنا كتير خفت إني أموت زي الأطفال تحت بيوتهم، مقطعين مش ملاقيين أجسامهم كاملة».
أما الطفلة راما الشندي (عام ونصف)، فلم ترحمها الطائرات الإسرائيلية، فاغتالت من كانت ستلعب في يوم من الأيام في حديقة قريبة من منزلها كما كانت تحلم بذلك أمها، التي هربت بابنتها من حي الزيتون الذي يشهد عمليات قصف متواصلة إلى منطقة الرمال بمدينة غزة، علها تجد ملجأ لابنتها وتحميها من الموت. ولكن سرعان ما تبدد حلم والدتها بعدما أصيبت راما بشظايا صاروخ أطلق على السرايا، القريبة من منزل أقاربها الذي كانت تختبئ فيه، لتموت شهيدة.
الطفل كريم إبراهيم (13 عاماً) كان يحاول أن يلعب مع أبناء أخيه الطفلين كمال (عامان) ونينا (عام واحد) ليلهيهما عن عمليات القصف، أو يشغل نفسه عنها حتى لا يشعر بالخوف، غير أن ذلك لا يدوم طويلاً. فما إن تحل ساعات الليل حتى تعلو أصوات الانفجارات التي يخاف منها كثيراً فيبدأ بالبكاء والدعاء بأن يسلموا من عمليات القصف، وخاصة أن منزلهم قريب من الأماكن المستهدفة كثيراً. وجل أمنيات كريم أن يحيا في أمن وأمان في وطنه الذي يحبه، ويجتهد في دراسته من أجل أن يصبح طبيباً يخدم شعبه، وأن يرفع من شأن بلده الذي يحبه كثيراً حسب تعبيره.
وارتفع عدد الشهداء الأطفال في اليوم الثامن من التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة إلى 36 طفلاً من أصل 156 شهيداً، قضوا لحظاتهم الأخيرة تحت أنقاض منازلهم التي قصفتها طائرات الاحتلال وأردتها أثراً بعد عين. ووفقاً لما ذكرته المصادر الطبية الفلسطينية، فإن أغلب الأطفال وصلوا أشلاء ممزقة إلى مستشفيات القطاع، فيما أصيب 300 طفل من أصل 1200 جريح أكثرهم يعانون من حروق شديدة في أجسادهم.