القاهرة | جولة جديدة من الصراع بين الرئيس الإخواني، محمد مرسي والقضاة في مصر، خلّفها إصدار الأول لإعلان دستوري يكفل له سيطرة كاملة على جميع السلطات في مصر، ويغل يد القضاء عن التصدي لقراراته ولمكتسبات جماعته سواء في مجلس الشورى أو في الجمعية التأسيسية للدستور، ذات الغالبية الإخوانية.

القضاة وخبراء القانون استقبلوا الإعلان الدستوري الأخير لمرسي بالتساؤل «من الذي أعطى لرئيس الجمهورية سلطة إصدار إعلانات دستورية؟ المجلس العسكري أصدر عدة إعلانات دستورية بموجب استفتاء الشعب، لكن ما مرجعية مرسي لإصدار تلك القرارات ؟».
واعتبروا أن هذا الإعلان هو بمثابة خطاب تنصيب الفرعون، مؤكدين أن المحكمة الدستورية العليا التي تراقب دستورية القوانين، ومحكمة القضاء الإداري التي تراقب قانونية القرارات الحكومية، ستمارسان دورهما القانوني في مراقبة شرعية ودستورية قرارات الرئيس ولن تعتدّا بهذا الإعلان. وشددوا على أن ما بني على باطل فهو باطل. وأضافوا «في عهد حسني مبارك وتحديداً وقت الانتخابات البرلمانية عام 2010، أصدر القضاة آلاف الأحكام ولكنه رفض تنفيذها، والآن بعد قيام ثورة جاءت بمرسي سنفعل نفس الشيء». واعتبر القضاة أن مرسي «يجب أن يعرف أن الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء جريمة عقوبتها الحبس والعزل».
المستشار محمود ذكي، فنّد لـ«الأخبار» مواد الإعلان الدستوري، مشيراً إلى أن المادة الأولى التي تتحدث عن إعادة التحقيقات في جرائم قتل المتظاهرين تحتمل إعادة التحقيقات مع رموز النظام السابق الذين تمت محاكمتهم بالفعل، فضلاً عن امكان التحقيق مع أشخاص جدد. لكن في حال إعادة التحقيقات لرموز النظام السابق، الذين سبق وبرأهم القضاء، فهذا الأمر هو هدم لحجية الأحكام الموجودة التي لا سبيل للتعامل معها حسب القانون سوى بالطعن في الأحكام الصادرة ضدهم.
أما المادة الثانية التي تحصّن قرارات مرسي من الرقابة القضائية عليها، فتُخالف وفقاً لذكي جميع المبادئ الدستورية المتعارف عليها. وحذر من أن مستشاري الرئيس تعمدوا إصدار قرارات مرسي في شكل إعلان دستوري وليس عبر قانون، حتى لا تقضي المحكمة الدستورية العليا بعدم دستوريته. ولفت إلى أنهم ظنوا أن وضعه هذه القرارات في الإعلان الدستوري لن يوصلها إلى المحكمة الدستورية، لكنه ذكّر بأنه يوجد مبادئ فوق دستورية لا يجوز مخالفتها بأي شكل.
أما المادة الثالثة المرتبطة بتعيين النائب العام، فوصفها ذكي بأنها تعدّ على قانون السلطة القضائية، الذي ينص على أن اختيار النائب العام يكون عن طريق المجلس الأعلى للقضاء، وبمثابة تدخل في السلطة القضائية وخروج على مبدأ الفصل بين السلطات.
أما المادة الرابعة والتي نصت على تمديد عمل الجمعية التأسيسية شهرين إضافيين، فالهدف منها التأكيد على تحصين الجمعية التأسيسية وبقائها. وخص مرسي المادة الخامسة من الإعلان الدستوري للمحكمة الدستورية لتتوقف عن عملها حيث نص على أنه «لا يجوز لأي جهة قضائةي حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية»، وهو ما يعد حسب ذكي تدخلاً في قضايا معروضة على القضاء بالفعل. والأهم أن هذا النص يعد غير دستوري لأنه ينص على قضايا بعينها وهو ما يعد انحرافاً دستورياً وتشريعياً.
أما المادة السادسة، فوفقاً لذكي، تفتح الباب لرئيس الجمهورية لوضع قانون الطوارئ. ونبه إلى أنها تنطوي على خطأ في الصياغة، نظراً لتضمنها ألفاظاً فضفاضة تؤدي إلى تقييد الحريات. فلم تذكر المادة من الذي يحدد الخطر وما معيار الخطر.
المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، ياسر علي، بمجرد الكشف عن مواد الإعلان الدستوري الجديد حرص على أن ينفي نية مرسي اصدار قرار بعودة مجلس الشعب، رغم أن الواقع الذي فرضه الإعلان الدستوري يؤكد سيطرة الرئيس المصري على زمام جميع السلطات.
ضمن هذا السياق، اعتبر الحقوقيون أن الإعلان الدستوري الجديد لا يليق برئيس منتخب، وإنما يليق برئيس انقلابي جاء إلى السلطة عبر انقلاب وليس انتخابات شرعية. وشددوا على أن القرارات تكرس لدولة شمولية واستبدادية لم تعرفها مصر على مدار تاريخها.
ورأى القاضي السابق في المحكمة الجنائية الدولية، المستشار محمد أمين المهدي، أن «مرسي خالف كافة الأعراف القضائية والتشريعية وقام بتحصين قراراته» بعد أن سبق له انتقاد المادة 28 من الإعلان الدستوري الأول التي منعت الطعن قرارات لجنة الانتخابات الرئاسية. ولفت إلى أن المستشار طلعت عبد الله الذى تم اختياره ليحل محل النائب العام عبد المجيد محمود، ليس من بين أعضاء النيابة العامة المشهورين.
في هذه الأثناء، قرر سمير مرقص، مساعد رئيس الجمهورية لشؤون التحول الديموقراطي، تقديم استقالته من منصبه احتجاجاً على هذا الإعلان وتأكيداً على خروجه عن كافة الأعراف المقبولة.
إلى ذلك، من المقرر أن يعقد نادي قضاة مصر جمعية عمومية طارئة اليوم للوقوف على الخطوات التصعيدية التى سيواجهون بها قرارات مرسي.