عاد الذئب... والعين المصابة بالدم في أمسها أصبحت على دمع كثير ومواساة... كل الجيران هنا... من مخيم البرج، من بئر العبد، من حارة حريك، من حي السلّم. توافد الناس الى العين يكفكفون عن جرحها بالمساعدة في نقل الجرحى حيناً، أو بالتوجه الى المستشفيات القريبة للتبرّع بالدم، وللوقوف قرب كتف أم شهيد ما زال الذهول يسرق قلبها، فلا هي تصدّق ما جرى ولا الجار يدري ما يقول.


في تلك اللحظات التي لا لغة تنقل محتواها العاطفي والمعنوي والانساني، في تلك اللحظات التي لا يمكن ان يكون رد الفعل فيها الا غضب يعرف اين يتوجه، يصبح كل صوت عنصري تجاه ابناء عين السكة وجوارها من فلسطينيين وسوريين صوت مدان.. مدان حدّ التشكيك بأصل وجوده بيننا... من انت؟ اين كنت حين اختلطت دمانا تحت القصف الصهيوني؟ اين كنت حين "الفلسطيني يلي من المخيم" كان يحمل جارك وجاره الى المشفى، يتبرّع له بالدم ويذهب الى بيته يهدأ من وجع أولاده ويخبرهم أنّه بيديه حمل والدهم وأنه بخير؟ سأخبرك أين كنت في ذلك الوقت. كنت تقفز من شرفة الى شرفة، تخبر جاراً تعرف مسبقاً أنه مثلك تماماً، أن الانتحاريين أو أحدهما فلسطيني، وأن المخيم هو البلاء الذي أدى الى التفجيرين، وأن "الفلسطينيي رجعو يقتلونا نحنا اللبنانيي الأليفين"! نسيت تماماً أيها اللبناني أنّ أنطوان لحد مات حاملاً جنسيتك وعاش رافعاً علمك يا "فرحان". وتناسيت ربما أن يوم قالوا لك أن من أبناء قريتك وُجد عدد لا يستهان به من العملاء، قلت حينها: "العميل ما الو ضيعة ولا الو بلد". أما الفلسطيني فحاله مختلف في بلد الشوفينية المخيفة. بعيداً عن التعميم طبعاً، بالأمس كنت ترفع راية فلسطين وصورة السكين التي تدافع عن أرضنا جميعاً... بالأمس كنت تكتب في القدس ألف قصيدة. وللأمانة كنت تحصد فيها "لايكات" كثيرة وتعليقات لا بأس بها. عزيزي، سأخبرك شيئاً، في فلسطين، لا يستقبل أهل العميل معزّين عند موته. في بلدك البديع هناك أصوات طالبت بدفن أنطوان لحد في "قريته"... في فلسطين، عندما يظهر شخص ينتمي إلى داعش أول من يبادر الى التبرؤ منه أهله قبل الجيران، وفي بلدك، يوزع الجيران الحلوى في بعض المناطق عندما يفجر لبناني نفسه في الموصل.
داعش، التي تبنت التفجير معلنة عن انتحاريين فلسطينيين عرفت تماماً كيف تستثمر غباءك وعنصريتك، وعرفت كيف توجهك انت وغضبك المفترض بعيداً عنها. وعرفت تماماً أنك أملها الأخير في بيئة محصنة بالوعي وبالثقة بين ناسها. وناسها هنا كل المتواجدين عداك وأمثالك. ناسها هنا أمجد الشهم الفلسطيني الذي وقف يبحث عما يمكن فعله لغوث الجيران. وحمود السوري الذي حمل طفل جاره وركض به الى أمه كي يهدأه. أنت، يا جار المخيم الذي لم تجرؤ قبل التفجير على الرد على أزعر شتمك في خلاف على أفضلية المرور، أنت داعشي مثلك كمثل الانتحاري ذاك. الذي قد يكون فلسطينياً أو سورياً أو لبنانياً أو كازاخستانياً! تخيل، يقال إن البيان الداعشي مزوّر وأن القاتل لبناني! تصوّر! ما رأيك أن يأتيك الآن كل من قتلت له داعش عزيزاً ويثأر منك؟ سيكون جميلاً أن تلمس ما كنت تقول. أن تواجه سفالتك بصورة من تُمارس عليه السفالة.
خلاصة القول، في كل عائلة ثمة فرد لا يشبه باقي أفرادها. في كل بلد، وجوه تُعرف من سيماها تستسهل الخيانة وتبيع أهلها عند أول مفترق. تسقط عن الانتحاري جنسيته كما يسقط عنه انتماؤه العائلي. وللأسف، يسقط الكثيرون في وهم التعميم، في حقارة العنصرية، وفي بشاعة الفكر التكفيري. خلاصة القول إن اعتبار كل فلسطيني مسؤولاً عن تفجير أحدثه انتحاري يحمل الجنسية الفلسطينية، واعتبار كل سوري حاملاً لذنب أن يكون الانتحاري ذاك سورياً، يقودنا الى اعتبار كل لبناني مسؤولاً عمّا فعله "أخوانه" اللبنانيون سواء في العمليات الانتحارية التكفيرية أو قبلها.
وبالتالي، من المعيب اليوم فيما ما زال الدم على أرصفة العين حاراً، أن نضطر الى التوجه إلى أهلنا وجيراننا من الفلسطينيين والسوريين، لا تؤاخذونا بما فعل السفهاء منا... السفهاء، العنصريون، التكفيريون وإن بلهجة مختلفة، لا يمثلون إلا أنفسهم.