أخبرني شقيقي عن فيلم وثائقي عرضه التلفزيون السويدي قبل أيام، بعنوان "الثقافة في منطقة خطرة". يحكي الفيلم عن الفنانة أمل مرقص من قرية "كفر ياسيف"، لكن الجزء الكبير من أحداث الفيلم تدور حول قرية "الغابسية" المحتلة في الجليل. ويذكر أن القرية قد هُجّر جزء كبير من أهلها عام 1948، وبيوتهم هُدمت. وبقي الجامع في وسط القرية والمقبرة في طرفها شاهدين على حق أصحابها، بينما حرم من بقي منهم في فلسطين من السكن فيها، فتوزّعوا على القرى المجاورة، في "الشيخ داوود" و"الشيخ دنون"، وقد تحولتا الى قرية واحدة.


استرسل أخي عبر الهاتف، في سرد أحداث الفيلم المثيرة، كان صوته أشبه بمن يخوض نقاشاً حامياً، أو كمعلق مباراة كرة قدم متحمس، لقد وصف لي أحداث الفيلم بحرارة شعرت معها أني أتابعه مباشرة عبر شاشة التلفاز. تحدث الفيلم عن النكبة، منذ نشأة هذا الكيان وطرد جدي وأقرانه، وكان أبي طفلاأ بعمر الحادية عشرة، وصولاً الى اليوم، حيث المواجهة ما زالت مستمرة بين الحقيقة الراسخة في الأرض والكذبة تمتطي ظهر الجرافة. كيف تجمع الأهالي من كل القرى المجاورة حول الجامع لحمايته من الجرافة الصهيونية، التي تمكنت من جرف المقبرة، قبل أن تصل للجامع. حين تجمع الأهالي حول الجامع في محاولة لمنع الجرافة من استكمال مهمتها الجهنمية، كانوا وكأنهم يتمسكون بالشاهد الأخير المزروع في أرض "الغابسية"، يومها غنت لهم أمل مرقص "الصبر يا مبتلي والصبر يا أيوب، والصبر جبتو معي تينمحي المكتوب، والصبر جبتو معي من يوم هجرتنا، وحجارة الدار تبكي فرقتنا".
كان صوته يرتجف حين قال: "لم يعد لنا أجداد في الغابسية! هل ستخبر أبي؟". لم أجب... فجأة، شعرت بحرقة وحالة من الندم وتأنيب الضمير، لأنني كنت أشعر بالملل والضيق من تكرار أبي لحكاياته عن الغابسية، أعاتبه بشدة لتكراره القصص والأحداث، لقد حفظتها عن ظهر قلب.
"اسمع بدي أعدلك هني، وصححلي إذا غلطت" أقول له، فيقول: "نعم... هاد الي بدي اياه، تحفظها". أبي اليوم في الثمانين من العمر، منذ عشر سنوات تقريباً لم تعد حياته تدور حول الحاضر أو المقبل من الأيام، صار مشغولاً ومسكوناً بأحداث الغابسية والقرى المجاورة، الشيخ الداوود والشيخ دنون، والنهر و"عمقا". يروي أحداثاً وقصصاً وتفاصيل، لا يكلّ ولا يملّ من تكرارها، والغريب أنه كلما رواها كانت ملامحه حقيقية وصوته مشدوداً ونغماته بالحماسة الأولى نفسها، تشعرك بهيبة الأمر وجديته.
الجرافة اللعينة تمكنت من جرف المقبرة! إنهم يحاولون انتزاع جذورنا من أرضنا، إن حربهم مستمرة، وليست مع الأحياء في ميادين الضفة وغزة والقدس في الناصرة وحيفا، بل أيضاً مع الأموات، وهي الحرب الأكثر ضراوة، هي الأخطر. حرب على مساحة التاريخ، مع الماضي والحاضر والمستقبل.
تلك الجرافة اللعينة كانت تحاول إسكات القبور عن قول شيء ما. كانت القبور تقول إن أولئك اللاجئين لهم حق هنا. أما أنا؟ فلقد كنت بشكل ما تلك الجرافة التي تحاول إسكات أبي، الذي لم يأبه لي أبداً، ولا مرة استجاب لطلبي بعدم تكرار قصصه عن الغابسية وأهلها. هذا ما كان يحرقني ويمضني. كان يقول لي: أنا لا أحكي لك قصص وحكايات خرافية، تحكى للتسلية ولمرة واحدة فقط، إنها حياة تتجدّد كلما رويتها لكم، وستبقى إذا ما رويتموها لأبنائكم".
غنّت أمل مرقص مرة أخرى: "ازرعوني زنبقا احمرا في الصدر، وفي كل المداخل، واحضنوني مرجة خضراء تبكي وتغني وتقاتل، وخذوني زورقا من خشب الورد وأوراق الخمائل".
من يستطيع جرف الذكريات المعشعشة في رأس أبي؟! قد تكون الجرافة الصهيونية اللعينة قد نجحت وللأسف، في جرف مقبرة الغابسية، لكني متأكد تماماً، كما أني متأكد من حفظ ذكريات أبي عن أرضنا المحتلة، من أن أحداً لن ينجح في جرف خزين الذكريات وما تقوله، عن ماض وتاريخ لنا هنا، راسخ رسوخ الحق ليس في جوف الأرض فحسب، بل أيضاً في أصوات آبائنا يحكيه لنا ونحكيه لاجيال تتوارثه ولن تنسى... أبداً.