توجه محمود عباس الى الامم المتحدة رئيساً للسلطة الفلسطينية وعاد منها رئيساً للدولة الفلسطينية، لكن ماذا يعني أن يصبح للاجئين دولة؟ هل تحولوا الى جالية في البلدان الموجودين فيها؟ هل ستتغير صفتهم القانونية الموجودة على جوازات سفرهم من «جوازات خاصة باللاجئين الفلسطينيين» لتصبح «جوازات خاصة بالدولة الفلسطينية»؟ وماذا سيستفيد اللاجئون من دولة لا يستطيعون زيارتها ولا تؤمن لهم أياً من حقوق المواطنة. اما السؤال الأهم، فهو هل يرضى ابناء المخيمات بأن تقام دولة على 22% من مساحة الاراضي الفلسطينية؟
هذه الاسئلة لم تكن مطروحة يوم اعلان الدولة. ففي تلك الفترة وفي اللحظة التي أعلن فيها قيام الدولة الفلسطينية لم يترك ابناء مخيم برج البراجنة رصاصاً في مماشط بنادقهم إلا أطلقوه «ابتهاجاً». احتفلوا وفرحوا وقت اعلان ولادة دولة فلسطين. فهذا الاعلان كان بالنسبة اليهم «انتصاراً سياسياً على اسرائيل بعد انتصار المقاومة في غزة»، يقول ابو مصطفى الشعفاطي، لكن تلك الفرحة لم تعتمل في قلوب الجميع. فالفرحة بقيام الدولة انحصرت في ابناء منظمة التحرير الفلسطينية. اما ابناء الفصائل التابعة لتحالف القوى الفلسطينية، فقد تحفظوا على هذا الاعلان، وراقبوا ما يجري بصمت. وعند سؤال الفرحين والممتعضين عما يعنيه قيام الدولة الفلسطينية، اختلفت الاجابات حول الموضوع وذلك بحسب توجهاتهم الفصائلية. فمنهم من عدّ ذلك انتصاراً على العنجهية الاسرائيلية والاميركية. اخرون قرروا الصمت وعدم الاجابة وانتظار كيف سيتصرف الرئيس عباس حيال الموضوع. اما الفئة الأكبر، فهي تلك التي رأت ان «ابو مازن» قد باع فلسطين للإسرائيليين. إذاً، قامت الدولة التي كان يطمح الفلسطينيون إلى الحصول عليها منذ عام 1987، لكن هل سيفيد هذا الاعلان في شيء، وخصوصاً اللاجئين المبعدين عن ارضهم؟ تطرح هذا السؤال على ابناء مخيم شاتيلا. «شو يعني صار عنا دولة فلسطينية». يجيب إحسان طه بدون تردد «لا شيء». يضيف الشاب العشريني «يعني ابو مازن باع اللاجئين واراضي 1948، ويعني ايضاً انه لا حق عودة بعد اليوم». يشرح طه وجهة نظره «الدولة تفيد ابناء رام الله وغزة، اما اللاجئون، فهم غير مستفدين منها، لان ذلك يعني انهم لن يعودوا الى اراضيهم التي هجروا منها».
تسير أكثر داخل أزقة المخيم. بالقرب من مدارس الاونروا ترى مجموعة شباب. تطرح السؤال نفسه. يجيب ابو احمد محمد ان «قيام الدولة يعني اعترافاً بحقنا كشعب فلسطيني في أن يكون لدينا دولة». تسأله «لكن الا يعني ذلك الاعتراف بإسرائيل والغاء حق العودة؟». يصمت محمد قليلاً. يتأمل الجدار الذي امامه كمن يبحث عن اجابته فيه. يجيب الرجل «حق العودة لا يمكن الغاؤه، ونحن لا نريد العودة الا الى ديارنا التي خرج أباؤنا منها». اجابة محمد النمطية تعني بحسب رفيق الجلسة كمال مصطفى «الاعتراف بدولتين اسرائيلية وفلسطينية». هنا يدور سجال بين الشابين. «العالم كلو معترف بإسرائيل»، يقول محمد. يأتيه الرد سريعاً «بس اذا اعترفنا إحنا بإسرائيل يعني منعطي الاحتلال شرعية وجوده». ينتهي النقاش بين الشابين سريعا، مثلما بدأ. لم يستطع محمد اقناع مصطفى والعكس صحيح.
بالطبع قيام الدولة الفلسطينية لن يقدم او يؤخر شيئاً. فهي لا تزال دولة على الورق، كما انها لا تملك مقومات الدولة. الشيء الوحيد الذي من الممكن الاستفادة منه هو لجوء الرئيس عباس الى محكمة الجنايات الدولية لرفع دعاوى ضد اسرائيل، لكن الرئيس عباس كان قد طمأن العدو إلى انه لن يلجأ الى هذا الخيار لمحاسبة اسرائيل على جرائمها السابقة. وقال في تصريح سابق إنه قد يقدم على مثل هذه الخطوة إذا أقدمت اسرائيل على ارتكاب جريمة ما.
لن يغير اعلان فلسطين دولة الصفة القانونية للاجئين الفلسطينيين، إذ إن القانون الدولي الذي بموجبه جرى الاعتراف بدولة اسرائيل أجبر الاخيرة بتنفيذ «حق عودة الاجئين الى ديارهم»، ليعترف بها المجتمع الدولي وهو ما وافقت عليه اسرائيل، لكن بالطبع اسرائيل لم ولن تنفذ هذا المطلب، لذلك ستكون المعركة المقبلة على اجبار اسرائيل على الاعتراف بهذا الحق وعدم تحويره الى «حق عودة اللاجئين الى وطنهم»، مما يعني الى الضفة الغربية او قطاع غزة، لكن تكمن مشكلة اعلان قيام الدولة في إلغاء دور منظمة التحرير الفلسطينية كعضو مراقب في الامم المتحدة، مما يعني تحييد اللاجئين الذين تمثلهم المنظمة.
اما التخوف الاكبر، فهو قيام الاونروا بالتوقف عن تقديم المساعدات المفروضة عليها للاجئين، بحجة انهم اصبحوا تابعين للدولة التي قامت، ما يعني أنها المسؤولة عنهم، وخصوصاً أن الأونروا بالنسبة إلى الفلسطينيين هي الوكالة الاممية الوحيدة التي يمثّل وجودها اعترافا أممياً بمسؤولية الامم المتحدة عن تشغيل وغوث اللاجئين الفلسطينيين في الأقاليم التي تعمل فيها الوكالة.
هكذا، ستشهد الايام المقبلة جملة دراسات قانونية سيقوم بها حقوقيون لتحديد ما يمكن الاستفادة منه بعد اعلان الدولة وما يمكن تجنبه من فخاخ قد يوقع الإسرائيلي الفلسطينيين فيها.




هناك 5 ملايين لاجئ فلسطيني. يتوزع هؤلاء في اقاليم الاونروا الاربعة لبنان، سوريا، الاردن، والاراضي الفلسطينية وفي الشتات. الاونروا مسؤولة عنهم وعن تقديم المساعدات اليهم بالرغم من قيام الدولة الفلسطينية، إذ وفقاً للتعريف الذي تعتمده الوكالة في تعريف اللاجئين، فهم من «الأشخاص الذين كانوا يقيمون في فلسطين خلال الفترة ما بين حزيران 1946 حتى أيار 1948، والذين فقدوا بيوتهم ومورد رزقهم نتيجة حرب 1948». يشار الى ان الأونروا تأسست بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 (رابعا) عام 1949 لغرض تقديم الإغاثة المباشرة وبرامج التشغيل للاجئين الفلسطينيين.