دمشق | كما مؤسسات الدولة التي كانت ملجأً لإقامة بعض موظفيها ممن دمرت الحرب منازلهم أو زادت من صعوبة وصولهم إلى أعمالهم، فإن منشآت صناعية خاصة كثيرة لم تجد خياراً يضمن لها استمرارية عمليتها الإنتاجية سوى توفير «المنامة» للعاملين فيها، وما تتطلبه من خدمات تتباين مستوياتها بين منشأة وأخرى، تبعاً لعوامل عديدة وحسابات أصحاب تلك المنشآت.


في منشأة صناعية قائمة على أطراف إحدى مناطق الاشتباكات يعمل يوسف ذو الثلاثين عاماً. «قبل الأحداث كان الطريق لا يستغرق معنا أكثر من نصف ساعة، أما اليوم فإن الوصول إلى المعمل يستغرق ما لا يقل عن ساعتين ونصف ساعة، بسبب الزحمة على الحواجز والتحويلات الطرقية التي تمت، لذلك لم يكن أمامي من خيار للمحافظة على وظيفتي سوى الانضمام إلى رفاقي، والنوم في المعمل طوال أيام الأسبوع، باستثناء عطلة نهاية الأسبوع»، يقول. ويضيف في حديثه لـ«الأخبار»: «كانت مصلحة مشتركة لنا كعاملين ولصاحب المعمل، الذي سمح بداية الأمر لبعض العاملين بالمبيت في المعمل، لكنه سرعان ما وجد في ذلك حلاً لمشكلة تأخر العاملين وغيابهم القسري عن العمل، فقام بتوفير الأغطية وبعض فرش الإسفنج».
حال هذه المنشأة كحال كثير من المنشآت الخاصة، التي أصبحت في ظل الحرب عبارة عن مجتمعات صغيرة، فالأمر وإن اقتصر بداية على الإقامة والمنامة، إلا أنه سرعان ما تطور لاحقاً، وتحت ضغط الأعداد المتزايدة من العاملين المقيمين، إلى مجتمع تتوافر فيه جميع الخدمات الضرورية، وأحياناً وصل الأمر ببعض الصناعيين إلى حد افتتاح مقاهٍ صغيرة داخل هذه المنشآت وتزويدها بشاشات تلفزيون كبيرة، كما فعل الصناعي الحلبي زياد أوبري، المدير التنفيذي لأحد أشهر معامل الدواء في سوريا، الذي يؤكد لـ«الأخبار» أن المعمل الموجود في إحدى المناطق الساخنة في حلب «يوفّر حالياً المنامة وجميع الخدمات الأساسية من طعام وحمامات وأنشطة ترفيهية لأكثر من 400 عامل وعاملة». ويشير في هذا السياق إلى أن «استهلاك المعمل من مواد التنظيف ارتفع إلى مستويات كبيرة، فمثلاً استهلاك العاملين المقيمين من سائل الصابون ارتفع ليصل شهرياً إلى أكثر من طن واحد، ومن مسحوق الغسيل لنحو نصف طن، فضلاً عن زيادة استهلاك المياه والكهرباء وغيرها». ورغم أن المعمل يسجل حالياً خسارات متتالية نتيجة ارتفاع التكاليف، وصعوبة الحصول على المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج، وتالياً انخفض حجم الإنتاج ليصل إلى ما بين 30 إلى 40% مقارنة بمرحلة ما قبل الأزمة، إلا أن أوبري يتحدث عن المجتمع الجديد المتكون في معمله بفرح، ويكشف مبتسماً أن زيادة استهلاك مادة مسحوق الغسيل بنحو غير مبرر جعله يبحث عن أسباب ذلك، فاكتشف بعد فترة أن «بعض العاملين عند عودتهم بداية الأسبوع من منازلهم يصطحبون معهم بعض ملابس عائلاتهم لغسلها في المعمل، نظراً إلى توافر المياه والكهرباء ومسحوق الغسيل، وفي نهاية الأسبوع يعيدونها معهم جاهزة».


توفّر المنشأة المنامة وجميع الخدمات وأنشطة ترفيهية

كل ذلك يجعل من مسؤولية إدارات المنشآت الصناعية مضاعفة، فإلى جانب إدارة العمل والمحافظة عليه لتحقيق الخطة الإنتاجية، تحضر مسؤولية متابعة ومراقبة المجتمع الجديد المتكون لديها، ضماناً لعدم حدوث أي مشاكل، ومحاصرتها ومعالجتها إن وقعت فعلاً، وهنا يغدو الحزم مطلوباً كما يقول أحد الصناعيين الذي فضل عدم ذكر اسمه، «وإلا فإن مصلحة العمل، التي من أجلها سمح للعاملين بالإقامة في منشآتهم، ستتضرر».
لا يفضل رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية المهندس فارس الشهابي تسمية ما يحدث بالظاهرة، فهو كما يوضح في حديثه لـ«الأخبار» أمر اعتيادي «يقوم به معظم الصناعيون الذين أعرفهم، ومنذ بداية الاستهداف الإرهابي للمناطق الصناعية. وهذا واقع يشير إلى أن قيم الخير وحب الوطن والعطاء موجودة بكثافة في هذا الزمن الأسود، ورغم شح الموارد وصعوبة الظروف».
وحول المناطق التي ينتشر فيها هذا الأمر، يضيف المهندس الشهابي أنّ «هذا يحدث في مدينتي عدرا وحسياء الصناعيتين، وفي حماه وفي حلب بكثرة، ففي حلب هناك معامل مدمرة بالكامل، إلا أن أصحابها لا يزالون يدفعون الرواتب لمعظم عمالهم».
لكن ليست الصورة بتلك المثالية دائماً، فمقابل توفير المبيت والطعام تحسم بعض المنشآت الصناعية جزءاً من الراتب الشهري كما يروي بعض العمال، فيما تشترط أخرى على العاملين المستفيدين من المنامة زيادة عدد ساعات العمل يومياً لتعويض ما خسرته من نفقات على الخدمة الجديدة، إنما هناك منشآت حافظت على مستويات الرواتب الممنوحة للعاملين، لا بل منحت المقيمين تعويضات بدل الانتقال، وبحسب أوبري إن «كل عامل يكلف المعمل شهرياً نحو 45 ألف ليرة إضافة إلى راتبه الأساسي، موزعة ما بين تعويضات التنقل وتكلفة الإطعام واستهلاك الخدمات العامة من كهرباء ومياه ومواد تنظيف وغيرها».




أعلن نائب وزير الخارجية الروسي، غينادي غاتيلوف، أنّه لا يجري في الوقت الراهن إعداد أي قرار في مجلس الأمن الدولي لتشكيل بعثة مراقبة في سوريا.
وقال أمس إنّه «لم يقترح أحد بعد مثل هذه الفكرة العملية، قد تكون هناك حاجة لذلك خلال مرحلة ما». ويُذكر أنّ البيان الختامي للقاء فيينا حول سوريا المنعقد يوم السبت الماضي قد ذكر أنّه ستُنشأ بعثة مراقبة لنظام وقف إطلاق النار تحت إشراف الأمم المتحدة في سوريا، وأن مجلس الأمن الدولي سيحدد صلاحياتها.