بنغازي | يبدو أن الليبيين لا يزالون مصرّين على إعادة صياغة التاريخ بما يتماشى مع تطلعاتهم، فبعدما أطاحوا نظام العقيد معمر القذافي تولى وزير عدل نظامه البائد، مصطفى عبد الجليل، مهام رئيس المجلس الوطني الانتقالي الذي قاد الثورة ضده سياسياً. إلا أن الأخير يجد نفسه اليوم أمام التحقيق والمساءلة القانونية. المستشار مصطفى عبد الجليل، وبعدما طُلب للتحقيق من قبل النيابة العسكرية في تشرين الثاني الماضي، خضع اول من أمس لأولى جلسات هذا التحقيق في قضية قتل اللواء عبدالفتاح يونس العبيدي، الذي اغتيل في تموز 2011. العبيدي الذي قاد جيش التحرير فور إعلانه انشقاقه عن نظام القذافي بعد يومين من اندلاع انتفاضة 17 شباط، يُعدّ من أبرز القيادات التي شكل تخليها عن القذافي ضربة قاصمة للنظام، ولا سيما أنه من الضباط الذين شاركوا الزعيم الليبي الراحل في ثورة أيلول علم 1969.

الاغتيال، الذي جاء بعد 6 أشهر فقط من انشقاقه عن نظام العقيد، شكل منعطفاً خطيراً في أحداث الثورة الليبية كاد أن يعصف بها لولا حكمة أعيان قبيلة العبيدات الذين رغبوا بالثأر قانونياً من مرتكبي الجريمة. الاغتيال، الذي يُعدّ الأول في الثورة، أعلنه رئيس المجلس الانتقالي عبد الجليل بعد ساعات قليلة فقط من اختفاء اللواء ورفيقه، وذلك خلال مؤتمر صحافي عقده نهاية شهر تموز 2011 داخل فندق تيبستي في قلب عاصمة الثورة بنغازي.
ورغم أن الاغتيال لم تُعرف أسبابه حتى اليوم، أشارت أصابع اتهام المتابعين للوضع الليبي فيه إلى أطراف عديدة لم يتم التحقق منها بعد؛ فعبد الفتاح يونس عُرف عنه محاصرته للحركات الإسلامية المتشددة في منتصف التسعينيات في شرق ليبيا ومطاردته للمتطرفين، كما أنه إبان الثورة عُرف بمواقفه الصارمة من التدخل الأجنبي في الشأن المحلي، وإلحاحه على قوات التحالف الدولي، بضرورة حماية المدنيين في مصراته أو التوقف عن هذه العمليات. كما قد يشكل انشقاقه عن القذافي خيوطاً إضافية في القضية.
جلسات التحقيق التي بدأت أخيراً، عُرف عنها جرأتها، إذ استدعت في السابق المستشار الجازوي العبيدي، ابن عم عبد الفتاح يونس، الذي اغتيل هو الآخر لاحقاً على أيدي مجهولين.
عبد الجليل، ومنذ البداية، رفض التحقيق معه في بنغازي وعزف عن الحضور إلى مقر النيابة العسكرية، هناك حيث أقيمت أولى جلسات التحقيق في مدينة المرج شرق البلاد، والتي استمرت قرابة الست ساعات جاءت نتائجها مفاجئة للجميع؛ فقد قررت النيابة العسكرية وضع رئيس المجلس الانتقالي السابق قيد الإقامة الجبرية ومنعه من السفر إلى خارج البلاد والإفراج عنه بضمان محل إقامته. الا أن الأمر لم يتوقف هنا، فقد وُجّهت له عدة تهم من ضمنها التحريض على القتل، وسوء استخدام السلطة، وتفتيت اللحمة الوطنية.
وفي أول تعليق على قرار النيابة، تحدث المعتصم، نجل اللواء يونس لـ«الأخبار»، مثنياً على قرار النيابة. واعتبر القرار خطوة جبارة بالرغم من أنها اتُّخذت متأخرة. وطالب النيابة العسكرية بالاستمرار بنفس النهج حتى تحقيق العدالة.
نجل اللواء الراحل رأى أنه عندما تطال العدالة أعلى هرم السلطة فهو دليل على نجاح أهداف ثورة 17 فبراير، التي مات في سبيلها والده. وقال المعتصم لـ«الأخبار» إنهم في صدد طلب التحقيق مع أكثر من 30 شخصية أخرى قد يثبت تورطها في القضية.
«الأخبار» حاولت معرفة ردة فعل المستشار عبد الجليل، إلا انه اتّضح أن رقم الهاتف الذي يحمله نجله محمد، والذي يشكل صلة الوصل بين عبد الجليل والصحافيين، قد تغيّر.
لعل ما يزيد جلسات التحقيق تشويقاً هو استدعاء رئيس المكتب التنفيذي السابق، صاحب أكبر كتلة برلمانية في المؤتمر الوطني، محمود جبريل، للتحقيق معه في ملابسات الاغتيال، حيث كان يترأس مجلس الوزراء حينها.
كل ما أحدثته جلسات التحقيق من جلبة، لا يعدو كونه احدى جولات القضاء الليبي الذي يقف في منزلق خطير حيث يتوجب عليه اثبات نزاهته، وخصوصاً بعد ارتفاع الأصوات التي تطالب «بتطهيره» أسوةً بنظيره العراقي الذي خضع لنفس العملية بعد سقوط النظام العراقي في نيسان 2003.
ويتوقع المتابعون للشأن الليبي أن النيابة العسكرية لن تكتفي بهذا القدر من التحقيقات، وأنها لا تزال على استعداد لإسقاط ساسة آخرين برز نجمهم بعد 17 شباط 2011 «واغتيالهم قانونياً» بما يؤكد أن العدالة في ليبيا ما بعد القذافي، بخير.