القاهرة | الخلافات بين نظام الإخوان والمعارضة المدنية، كرّست الخوف لدى فئة كبيرة من المصريين. فغالبية الشعب لا تزال تردد دعوة «استرها يارب» عندما تعلم عن موعد لتنظيم تظاهرة، سواء كانت مؤيدة أو معارضة. وفي عربات مترو الأنفاق تدور نقاشات واسعة بين الركاب حول مخاطر تلك المسيرات التي تطوف الشوارع في مليونيات المعارضة. ولا يزال جزء من الشارع المصري على المقاهي يتحدث عن أسلحة وأموال تعطى لبعض المتظاهرين ليصنعوا بها فوضى.

إذاً الشارع لا يزال يخاف رغم الأعداد الكبيرة التي تشارك في المليونيات المؤيدة والمعارضة للنظام. مع التخبط الواضح في قرارات رئيس الجمهورية محمد مرسي، زاد الخوف والقلق في الشارع، وزادها القرار الذي صدر أخيراً بإدخال تعديلات على قانون الضرائب على المبيعات، ستؤدي إلى رفع أسعار عدد من السلع الأساسية. ورغم تأجيل تطبيق القرار، لا يزال الشارع يخشى الزيادة في الأسعار، فيما بدأت العديد من الأسر المصرية تخزين المواد الأساسية التي تحتاج إليها.
يقول أحمد عبد الحميد، العامل في أحد المحالّ الكبرى لبيع السلع الغذائية، إن هناك اقبالاً غير عادي على الشراء خلال الأيام القليلة الماضية. ويضيف «مكان عملي في منطقة راقية، حي الدقي، وعادة ما تأتي الأسر لتشتري لوازمها بما يكفي الشهر كله، لكن هذه المرة الإقبال أكثر، ومن كان يشتري نوعاً واحداً من السلع أصبح يشتري ثلاثة أنواع». عبد الحميد لا يعرف بالتحديد السبب وارء ذلك الإقبال، لكنه يقول «في ناس خايفين من قرار زيادة الأسعار الأخير رغم أن الرئيس رجع في كلامه».
في مترو الأنفاق، أكد سامح عبد الله، وهو طالب جامعي، أنه سمع حديثاً بين والده ووالدته حول إن كان في الإمكان الاستدانة لتخزين بعض السلع الغذائية «لأنو محدش ضامن الأسعار هتبقى إيه الفترة الجاية». ويوضح أنهم في المنزل اتفقوا على شراء بعض السلع لتخزينها. في نفس عربة المترو، قال محمد السيد، إن الخوف ليس فقط من زيادة الأسعار «إحنا بقينا خايفين منلقيش السلع أصلاً». وأشار إلى أنه ذهب لشراء سجائر بعد الإعلان عن الزيادة الجديدة على السلع فلم يجد، في أربعة أو خمسة محالّ. وأوضح أن «أصحاب المحالّ عرفوا «إنو في زيادة فأخفوا السجاير عشان يبيعوها بالسعر الجديد».
تخزين السلع التموينية ليس بسبب الخوف من زيادة الأسعار فقط، بل أيضاً من حالة الاستقطاب السياسي المتزايدة في الفترة الأخيرة. فلم يعد يمر يوم إلا يكون هناك تظاهرات لمعارضين للرئيس تقابلها في اليوم الذي يليه وأحياناً في نفس اليوم تظاهرات أخرى مؤيدة للنظام. وبعد الاشتباكات التي جرت بين مؤيدين للرئيس ومعارضين له في محيط قصر الاتحادية الأسبوع الماضي، زاد الخوف من احتمال انتقال تلك الاشتباكات في الأيام المقبلة إلى مناطق أخرى، ولا سيما مع تواصل الاشتباكات في بعض المحافظات.
شعبان عبد الستار، موظف على المعاش، يقول لـ«الأخبار»، «الإخوان عايزين يولعوا في البلد»، متهماً جماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها رئيس الجمهورية بأنها المتسبب الرئيسي في حالة الخوف التي تسيطر على الشارع المصري حالياً. وأوضح أن لديه ثلاثة أحفاد في الجامعة «بتّصل بهم في اليوم الواحد أكثر من 10 مرات»، مضيفاً «بقيت أخاف عليهم من الشارع، بعدما شفت الإخوان عملوا إيه في الناس عند الاتحادية».
«وسائل الإعلام هي من تصنع تلك الحالة». منطق يقتنع به قطاع من الشارع، يرى أن تركيز وسائل الإعلام على تلك الحوادث والاشتباكات بين المؤيدين والمعارضين يولّد حالة من الهلع بين الناس. الحسين ابراهيم، موظف، يقول إنه يتابع الأحداث عن طريق وسائل الإعلام. ولم يشارك في أي تظاهرات سواء المؤيدة او المعارضة للنظام. يتخذ إبراهيم من جملة «مليش دعوة خليهم يخلّصوا على بعض» منطقاً يعيش به، لكنه يخاف من تزايد تلك الحالة في الشارع. يقول «الناس مش ناقصة وقف حال». ويضيف «كان نفسنا بعد الثورة الأمور تتحسن ويقعد كل السياسيين مع بعض ويضعوا حلولاً لكل المشاكل التي يعاني منها الشعب المصري». أمنية إبراهيم لم تحدد من المتسبب في هذه المشاكل. هناك من يتهم الثورة نفسها، وهناك من يتهم جماعة الاخوان المسلمين، وقطاع آخر يرى أن العيب في المعارضة التي اهتمت بالمنافسة على كرسي الرئاسة وتركت الشعب وحده. أحمد عبد الحميد يرى أن جماعة الإخوان أكثر الحركات استغلالاً للشارع المصري، وتستخدمه وتجيشه في الانتخابات والاستفتاءات، معتمدةً على أنها تمتلك قواعد قريبة من الشارع وتعرف حاجته وتوفرها له». «دول بينجحوا بالزيت والسكر»، هكذا يرى عبد الحميد، الذي يعتبر أيضاً أن الإخوان بعدما سيطروا على رئاسة الجمهورية ظهر وجههم الآخر، وبدأوا في التعامل على أساس أن «البلد ملك لهم وحدهم».
في المقابل، يرجع حسام بدر، وهو طالب جامعي، سبب الأزمة إلى الأحزاب السياسية التي تحالفت مع فلول النظام السابق لاسقاط أول رئيس شرعي منتخب للبلاد. بدر يرى أن جماعة الإخوان بريئة من كل التهم التي توجه إليها من ترويع المواطنين وتخويفهم، ويؤكد أن «الإخوان هم أكثر الحركات السياسية القريبة من الشعب المصري وتشعر بهمومهم ومشاكلهم». ويرى بدر أن الأحزاب السياسية وبعض المرشحين السابقين لرئاسة الجمهورية يسعون إلى افشال مرسي «وهم من ينشرون الخوف بين الناس من أن الإخوان بلطجية ولديهم ميليشيات عسكرية وغيرها من الأكاذيب». بدر لا يخفي انتماءه إلى جماعة الإخوان المسلمين، لكنه يقول «بعيداً عن ذلك البلد، محتاجه تمشي والعجلة تدور».




«بالدستور العجلة تدور»

«بالدستور العجلة تدور» شعار اختارته جماعة الإخوان المسلمين وحزبها الحرية والعدالة للترويج للموافقة على الدستور الجديد، المقرر الاستفتاء عليه غداً. دعاية الجماعة ومن معها من التيارات الإسلامية الأخرى، تعتمد دائماً على كلمات تؤرق الغالبية العظمى من الشعب المصري، كـ«الاستقرار، ودفع الاستثمارات، وحتى تسيير عجلة الإنتاج»، وهي نفس العبارات التي كان يستخدمها النظام السابق. أما عدم الموافقة على ما يدعون إليه، فيعني من وجهة نظرهم حدوث العكس، «الاضطرابات، وتوقف الإنتاج، وعدم توفير فرص عمل جديدة»، وهي أيضاً عبارات مستوحاة من العهد البائد. ويترافق كل ذلك، مع تصريحات أخرى من التيار السلفي تهدد بأن يجري اللجوء إلى العنف في حال مواصلة «القوى الليبرالية والعلمانية حربها على الإسلاميين والإسلام، وتشويه صورهم في الشارع». تلك المسائل تؤثر بالفعل في المواطن العادي الذي ترك الحياة السياسية للساسة، وشُغل بالبحث عن وظيفة ومسكن وعدالة، كانت الثورة قد وعدته بها، لكنه لم يجدها ووجد مكانها الخوف والفقر.