لم يعد الحديث عن إمكان نشوب انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية، مجرّد مخاوف ناتجة من وجود أرضية يمكن استثمارها، بل تحوّل إلى فرضية عمل للأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بعد نقاش مركزي أجراه رئيس هيئة أركان الجيش بني غانتس قبل نحو أسبوعين، انطلاقاً من تقدير مفاده أنّ شروط انفجار الانتفاضة في الضفة باتت ناضجة، وأنّ كل ما هو مطلوب الآن الشرارة التي تشعل الأرض.

وبالتناسب مع فرضية العمل هذه، ذكر المعلّق العسكري في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أليكس فيشمان، أنّه تقرّر إجراء سلسلة تغييرات، غير دراماتيكية حتى الآن، في أنماط عمل قيادة المنطقة الوسطى، تبدأ بتغييرات تكتيكية في تقديرات الجيش لمواجهة عمليات إخلال جماعية للنظام، وتنتهي بالاستعداد لوضع يحدث فيه تدهور، بمعنى استعداد الجيش بقوة أكبر وقدر أكبر من الوسائل لتفريق التظاهرات بهدف خنق كل محاولة «إخلال للنظام في مهده». ونتيجة ذلك، يتركّز جهد الاستخبارات الإسرائيلية على متابعة المزاج العام في الضفة. أما عن نقطة التحول التي دفعت باتجاه إنضاج ظروف تجدّد الانتفاضة، فيذكر فيشمان أنّ التطورات السلبية بدأت في الضفة قبل عملية «عمود السحاب» ببضعة أشهر، على خلفية رفع أسعار الغذاء والمحروقات في الضفة. في حينه حاولت السلطة منع الاحتكاك بإسرائيل، لكنّها عادت ووجهتها ضد إسرائيل، التي قدّمت على أنها المسؤولة عن الوضع الاقتصادي الصعب. ويؤكد فيشمان أنّه خلال عملية «عمود السحاب» طلبت «حماس» من رجالها في الضفة زيادة نشاطاتهم «الارهابية»، حتى تؤدي إلى نشوب انتفاضة شاملة لعرقلة قوات الجيش في الضفة، ونتيجة ذلك ارتفع عدد الأحداث العنيفة بنسبة 300%، مشيراً إلى أنّ قدرة «حماس» على تنظيم موجة عنف محدودة. كذلك، توقف فيشمان عند الجرأة التي بات يتحلى بها أنصار «فتح» و«حماس» و«الجبهة الشعبية»، بعد إعلان الدولة الفلسطينية، بصفة مراقب، في الأمم المتحدة عندما أقدموا على إغلاق الشارع 443 أكثر من مرة، بحجّة أنه يمرّ بمنطقة محتلة. ويرى فيشمان أنّ مسار المصالحة بين السلطة وحماس، رغم أنّه ما زال في مرحلة غير متقدمة، يشجّع العنف ضد إسرائيل؛ لأنّ السلطة كفّت عن مقاومة العمل «الدعوي» لحماس في الضفة، ولم تعد تصادر أموالاً، ولا تغلق جمعيات خيرية، الأمر الذي يوجب على الجيش الإسرائيلي القيام بعدد أكبر من الاعتقالات مما كان في الماضي. وحذّر من الشعور لدى الجهات المختصة بأنّ المستوى السياسي، عشية الانتخابات، لا يتخذ قرارات تؤدي إلى تفكيك القنبلة الموقوتة في الضفة، رغم أنّ الأرض ناضجة للانفجار.
في الإطار نفسه، ذكر المعلّق السياسي في «يديعوت أحرونوت»، ناحوم برنياع، أنّ التقدير، الذي كان مسيطراً على «الشاباك» و«أمان»، يفيد بعدم وجود طاقات لانفجار عنيف على نطاق واسع، لكن في المباحثات التي أجرتها القيادة العليا للجيش، أُثيرت تقديرات أكثر تشدداً. وأضاف أنّ دوريات الجيش تواجه في كل يوم، في الضفة، كمائن فلسطينيين يرجمونهم بالحجارة والقنابل الحارقة ويصوّرون بالفيديو، مقارناً ذلك بما جرى في الأسابيع التي سبقت الانتفاضة الأولى. ويرى برنياع أنّ للغليان الشعبي الفلسطيني أسباباً، منها تأثير عملية عمود السحاب، التي خرجت منها «حماس» بصدمة عسكرية ونشوة سياسية، مشيراً إلى أنّ إسرائيل سلّمت بواقع سلطة «حماس» في غزة، الأمر الذي دفع أبو مازن إلى أن يتساءل عن موقعه، ويدرك أن لا مفر أمامه سوى التوجه إلى مصالحة حقيقية أو وهمية مع «حماس». في هذه الأجواء، نقل موقع «والا» العبري، عن مسؤولين عسكريين إسرائيليين رفيعي المستوى قلقهم من تصاعد المواجهات مع الفلسطينيين، وقولهم إنّ حالة الغليان في الشارع الفلسطيني لا تعود فقط إلى عملية عمود السحاب والاعتراف بالدولة الفلسطينية، بل تعود أيضاً إلى «تصريحات سياسيين إسرائيليين خلال المعركة الانتخابية العامة للكنيست».