اليرموك | في تلك الليلة قررت الخروج من العلبة الحجرية التي اسميها المنزل، لأستنشق بعض الهواء، هارباً من حصار الأخبار الخانقة و الأفكار المرتبكة، فهنالك «هدوء نسبي» في الخارج و لا بد من استغلاله. خطوات قليلة في الحارة، واذا بصوت جارتنا «أم محمد» وقد أطلّت من شباك منزلها في الطابق الأول وهي تدعو «يا الله احمينا . . يا الله احمي الناس يا الله»، يقطع الهدوء صوت رشقة من الرصاص تبدو قريبة منّا، فيعلو صوتها باكية مرة أخرى «يا الله ارحمنا يا الله».

أم محمد هي واحدة من نساء المخيم الكثيرات، اللواتي لم يعدن يملكن إلا الدعاء رداً على أخبار الموت المنتشر في كل مكان والذي اخترق منذ عدة أشهر أسوار المخيم، مرة معلناً عن نفسه بشكل «اشتباك»، ومرات عديدة يأتي غادراً ودموياً على شكل قذائف. في هذه الأيام المريرة لا شيء يشبه الماضي، فدمشق الرائعة لم تعد تشبه نفسها ومخيم اليرموك الرابض في ضاحيتها الجنوبية هو الآخر لم يعد يشبه نفسه، حتى العديد من شوارعه فقدت معالمها، أحدها شارع فلسطين الذي يمتد على طول المخيم و ثاني شرايينه الرئيسية، اصبح خاليا من الحياة ومسرحاً لقنص العديد من ابناء المخيم، والكثير من ابنيته أصبحت مشوهة أو محروقة، و أرضه مليئة بالأوساخ و الأحجار المتبعثرة، وكانت حالته هذه هي الضريبة التي دفعها هذا الشارع وساكنيه باعتباره «الستة أمتار» الفاصلة بين المخيم وحي التضامن حيث تحول الأخير إلى ساحة حرب حقيقية بين طرفي الصراع، ومع مرور الوقت اصبحت القذائف التي كانت تطير من فوق المخيم تسقط داخله، كان أقساها أثراً القذائف التي سقطت في «حارة الجاعونة»، ففي الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك، وبينما كان ابناء «الحارة» في الدقائق القليلة المتبقية لسماع مدفع الإفطار، عاجلهم مدفع حقيقي بقذيفة سقطت على أحد ابنية الحارة، خرج على اثرها الكثير من الأهالي لتفقد الأمر ومد يد المساعدة، وخلال تجمعهم امام البناء سقطت قذيفة أخرى بينهم، سلبت حارة الجاعونة والمخيم حوالي (25) شهيداً من ابنائه، و ارسلت أكثر من (70) جريحا إلى مستشفياته، واصبحت تعرف باسم «مجزرة الجاعونة» ومع توالي القصف المركز على هذه الحارة و دفعها أكبر عدد من الشهداء، غيّر اهالي المخيم اسمها إلى «حارة الشهداء»، وعلى مدى أكثر من شهر أصبح القصف على المخيم روتيناً شبه يومي: قذيفتان في شارع المدارس، ومثلهما شارع لوبية، ثلاث في شارع صفد، خمسة في حي المغاربة واثنتان في شارع القدس، اشتباك في دوار فلسطين، قذيفة في شارع العروبة وأربع في حي التقدم، قناص في شارع فلسطين، اشتباك ليلي في شارع اليرموك، عشرون قذيفة حصيلة ثلاثة أو أربعة أيام في شارع الجاعونة «الشهداء». ومع كل يوم ترتفع اعداد الشهداء نتيجة القصف أو القنص، والخناق يضيق على المخيم بأخبار المفقودين والمخطوفين من ابنائه، والصباح وإن كان هادئاً قد تشوهه انباء عن اكتشاف قتيلين من شبان المخيم «مرميين» عند جامع البشير في أول المخيم، تسعة أو سبعة أو عشرة قتلى مجهولي الهوية عند «الكوسكومارت» في طرف المخيم» أما في الليل فقد يخرج صوت من جوامع المخيم مطالباً الأهالي بالتزام البيوت وعدم التجمع في الشوارع اثناء القصف أو بعده، والسماح للطواقم الإسعافية بالقيام بعملها، اعلان آخر من الجوامع يطلب من أطباء المخيم من اصحاب الاختصاصات المختلفة التوجه سريعاً إلى «مشفى الباسل»، اعلان ثالث يطلب متبرعين بالدم، اعلان جديد يدل على أماكن ايواء بالمخيم للهاربين من القصف. أما الشهداء من أبناء المخيم الذين زينت اسماؤهم شوارعه، فإلى حائط فرن أبو عمر القديم، ارتصفوا قرب بعضهم وشكلوا لوحة جدارية بأرضية بيضاء ممشوحة بالسواد، لكن هذه المرة على غير العادة، لم يؤطّرهم علم فلسطين بألوانه الجميلة، ولم تحتل صورهم الملونة الملصقات اللامعة وتحتها الشعارات الكبيرة، كما كان يحصل سابقاً. هذه المرة اكتفى الأهالي بورقة بيضاء وصورة شاحبة. ولأن أسباب الموت عديدة، فلا فرق بين قذيفة أو رصاصة، لم يعد السؤال الهام حول الشهيد: كيف مات؟بل كم ترك خلفه من الأولاد؟.
رغم كل هذا الحياة في المخيم لم تتوقف. فقط تغيرت. بمزيج من التكيف واللامبالاة، يواجه أبناؤه هذا الموت البطيء، فلا يهم أين ستسقط غدراً القذيفة التالية، لا مكان ينزحون إليه بعد القذيفة سوى المخيم. ولا يهم كم كانت أصوات الانفجارات مرعبة في الليل، فهي لن تمنعهم في الصباح من الخروج إلى أعمالهم. و لا يهم مرة أخرى، كم كانت أصوات الانفجارات مرعبة في النهار، فهي لن تمنعهم من متابعة أعمالهم. صحيح أن الكثير من أصحاب المصالح والمهن فقدوا أعمالهم، لكنهم استبدلوها ببسطات الخضر أو الدخان أو البضائع المتنوعة. ولا يهم انقطاع الكهرباء المستمر وشح المازوت وغلاء المواد الغذائية وقلة الخبز، فمنذ اليوم الأول الذي أعلن فيه المخيم «الحياد» ورغم القصف، لايزال ناجحا في اختبار الصمود و الثبات «حتى الآن»، والحياة قسراً أو طوعاً مازالت تنبض في ثناياه، وإلى الآن فشلت كل محاولات توريطه في الصراع. ولكن أصبح واضحاً لأبناء اليرموك أن هنالك من يعمل بإصرار على اغتيال المخيم.




عاودت القذائف السقوط على المخيم بعد فترة وجيزة من التوقف، خمس عشرة قذيفة في يوم واحد، طاولت بيوت المخيم، ومستشفييه «الباسل وفلسطين»، كان من بين ضحاياها هذه المرة، أم الشهيدة ايناس شريتح التي سقطت في ذكرى النكسة على ارض الجولان المحتل، في هذا اليوم لحقتها أمها من أرض المخيم لتشاركها مجد الشهادة، رافقها إلى السماء اثنان من الملائكة الصغار «لمى وياسر الأبطح» عندما سقطت قذيفة حمقاء على منزلهم، فحرمت الفتاة من اتمام عامها الدراسي الأول وأخاها من اتمام لعبته، وحرمت والديهما من تقبيل وجنتيهما كل صباح عند الذهاب إلى المدرسة.