القاهرة | تشير النتائج الأولية للمرحلة الأولى من الاستفتاء على مشروع الدستور إلى تقدم المؤيدين له، إلا أن الفارق الضئيل بين نسب التصويت بنعم (56%) ولا (44%)، ربما تكون في المقابل هي التعبير الأبرز عن التحدي الذي سرعان ما سيجد الاسلاميون أنفسهم حياله، حتى إذا أدت النتيجة النهائية، بعد المرحلة الثانية التي ستجري يوم السبت المقبل، إلى الانتصار في معركة الدستور. فنسبة الموافقة على الدستور بهذا الفارق تعكس تراجعاً شديداً في شعبيتهم وقدرتهم على حشد الأصوات، ولا سيما في حال المقارنة بنسبة الموافقة في استفتاء أيار من العام الماضي، الذي أدى إلى اصدار المجلس الاعلى للقوات المسلحة أول اعلان دستوري بعد الثورة التي اسقطت دستور 1971.

فالاعلان الدستوري الذي حظي بدعم التيارات الاسلامية وقتها جاء بموافقة تخطت 77 في المئة، فيما المؤشرات الأولية لنتائج المرحلة الأولى من الاستفتاء تشير إلى أن نسبة الموافقة على الدستور تجاوزت بالكاد 56 في المئة.
محمود غزلان، عضو مكتب الارشاد في جماعة الاخوان المسلمين، أقر في حديث مع «الأخبار» بأن تلك النسبة المتدنية جاءت دون مستوى توقعات الجماعة، لكنه استدرك بالقول «واقع الأمر يشير على ما يبدو إلى أن الاعلام المضلل نجح الى حد ما في التأثير على توجهات التصويت، ولا سيما في ظل جهود مضنية يبذلها لتشويه صورة الجماعة والحزب (الحرية والعدالة) والدستور على السواء، للحد الذي روجت فيه بعض منها نصوصاً مزيفة سيئة للغاية نسبتها زوراً الى مشروع الدستور، واستغلتها في هجومها المتواصل بلا كلل على الجمعية التأسيسية (لصياغة الدستور)». وأضاف «الإعلام الخاص بصورة عامة يتبع ارادة ملاكه من رجال الأعمال، الذين يرغبون ليس فقط في اسقاط تجربة الاسلاميين في مصر، بل أيضاً إلى اجهاض الثورة، واعادة النظام السابق أو التأسيس لحكم نظام جديد شبيه به».
يبقى أن نتيجة المرحلة الأولى من الاستفتاء في صورتها الحالية، زائفة من وجهة نظر عدد كبير من منظمات المجتمع المدني، حسبما بدا من مؤتمر صحافي نُظم أمس في مقر مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان، إذ طالبت تلك المنظمات اللجنة العليا للانتخابات باعادة المرحلة الأولى من الاستفتاء. واستندت المنظمات الحقوقية إلى كم الانتهاكات التي قالت إنها شابت اجراء الاستفتاء إلى حد يهدد بابطاله من قبيل «عدم توافر الإشراف القضائي الكامل، انتحال صفة قاضٍ في عدد من اللجان، منع جميع مراقبي المجتمع المدني من حضور أعمال الفرز، التصريح لأعضاء حزب الحرية والعدالة بدخول اللجان بموجب تفويضات رسمية، وجود استمارات تصويت غير مختومة، الدعاية الدينية الواسعة النطاق في المساجد وتكفير الرافضين للدستور». كذلك رصد «منع بعض المواطنين (المسيحيين) من دخول اللجان، تعطيل التصويت عمداً في بعض لجان السيدات بقصد الإنهاك لحرمانهن التصويت، حصار مقري حزبي الوفد والتيار الشعبي، عدم توافر الحبر الفوسفوري أو فساده (آلية لمنع تصويت الناخبين مرتين)، إغلاق بعض اللجان قبل الموعد الرسمي للإغلاق، وإجراء عمليات فرز وإعلان للنتائج، التصويت الجماعي نيابة عن السيدات في بعض اللجان».
ورأى حسين عبد الغني، عضو مجلس أمناء التيار الشعبي والقيادي في جبهة الانقاذ الوطني، التي تشكل التحالف الأبرز في المعارضة المصرية، أنه في حال تطابق النتائج النهائية للاستفتاء بمرحلتيه مع النتائج الأولية للمرحلة الأولى «فالأمر يعني كذلك هزيمة ساحقة للإسلاميين ليس فقط استناداً للفارق الشاسع بين نسبة تأييد الدستور الجديد، وتأييد الإعلان الدستوري، الذي أصدره المجلس العسكري، بل أيضاً استناداً إلى النسبة المرتفعة للمشاركة في الاستفتاء، وخاصة مقارنةً بالنسب المتدنية للمشاركة الشعبية في الاستفتاءات إبان عهد حسني مبارك على سبيل المثال». وأكد أن هذه النسب «تشير إلى اصرار الشعب على اثبات أن الساحة ليست خالية للاسلاميين».
واللافت أن النتائج تضمنت تبايناً واسعاً في نسب تأييد ورفض مشروع الدستور بين المحافظات المختلفة، من قبيل التباين بين نتائج التصويت برفض الدستور في العاصمة المصرية القاهرة، الذي بلغ مثلاً 56.9 في المئة، ومحافظة أسوان على سبيل المثال، التي وافقت على الدستور بنسبة 76.4 في المئة من عدد الأصوات، وفقاً لـ«بوابة أخبار» حزب الحرية والعدالة.
هذا الاختلاف أرجعه الباحث في مركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، إلى «التباين في أعداد المسيحيين، ومدى النشاط السياسي لتياري الإسلام السياسي واتساع الاعتماد على الدعاية السياسية في المساجد، بخلاف نسب الفقر التي قد تجعل الكثيرين ينحازون للموافقة على الدستور، على أمل تحقق الاستقرار الذي قد ينعكس في فرص جديدة للعمل».
إلا أن عضو اللجنة العليا للانتخابات، عبد الرحمن بهلول، شدد لـ«الأخبار» على أن لجنته لا تعتد بأي من الأرقام التي جرى الترويج لها من قبل أيّ من الفصائل السياسية او وسائل الاعلام. وذكّر بأن «الاعلان الدستوري ينص على اعلان اللجان الفرعية فقط لنتائجها وإرسالها إلى اللجان العامة، التي تتولى جمعها واعادة ارسالها إلى اللجنة العليا للانتخابات، التي لا يمكنها اصدار أي نتائج نهائية الا بعد الانتهاء من الاستفتاء بمرحلتيه».
وكان أكبر ائتلاف للمعارضة، جبهة الانقاذ الوطني، قد أعلن بعد اغلاق مراكز الاقتراع أول من أمس أن «جميع مؤشرات النتائج التي رصدت في المحافظات العشر كانت انتصاراً لشعبنا بنسبة تتجاوز 66 في المئة»، في اشارة منه الى رفض الناخبين الدستور.
وقبيل انطلاق الاستفتاء سجلت أعمال عنف بين مؤيدي الدستور ومعارضيه في الإسكندرية، امتدت إلى القاهرة أول من أمس، ووصلت إلى حد محاولة الاعتداء على مقر حزب الوفد الليبرالي وسط اتهامات لجماعة المرشح الرئاسي السابق، حازم ابو اسماعيل، بالوقوف وراء الاعتداء.
وعلى الأثر، عززت وزارة الداخلية المصرية أمس إجراءاتها أمام قسم الدقي في محافظة الجيزة، تحسباً لدعوة ابو اسماعيل انصاره الى التجمع امامه، فيما منع المعتصمون امام المحكمة الدستورية العليا، وهم من التيار الاسلامي، رئيس المحكمة من الدخول.