القاهرة | بعيداً عن حالة الاستقطاب السياسي التي استمرت بين المؤيدين والمعارضين للدستور أمام اللجان الانتخابية، أول من أمس، كان هناك مواطنون يديرون نقاشات طويلة حول مواد الدستور وأهميته وعواقب التصويت، سواء بنعم أو لا. وهي نقاشات تنتهي إما بمشاجرة، أو بتلويح من مواطن لآخر وهو يغادر المكان، دون أن ينجح أي طرف في إقناع الآخر.

في مترو الأنفاق، حيث الفقراء والأغنياء، المتعلمون والأميون، الشباب والشيوخ، ريفي وجه بحري والصعيد، اليساريون والليبراليون والإسلاميون وغير المشغولين بالسياسة أصلاً، تبقى عربات المترو شاهدة على توجه الرأي العام في الشارع. وتمنح المراقب القدرة على القياس ولو بصفة تقريبية ما يحدث في كل الجمهورية، أو على الأقل يستمع إلى وجهات نظر مختلفة تعبر عن كل منطقة ومحافظة.
وبينما كانت الطوابير تصطف أمام اللجان طوال أول من أمس، كانت الأخبار تتنقل في عدد من عربات مترو الأنفاق، ولم تكن هناك عربة واحدة لا تتحدث عن الاستفتاء وجدواه واتجاه التصويت. الغريب أن عدداً من الركاب كانوا يقولون إنه سواء «شاركنا وقولنا (لأ) أو (آه) الدستور ده خلاص اعتبره نجح».
ولم تفلح أسئلة الركاب حول تفسير ما يقولونه، وكانوا يردون بجملة واحده فقط «الإخوان زي الحزب الوطني بالظبط، حد يقدر يقوله لأ هما هيعدلوها ويخلوها نعم». النقاشات بين المواطنين كانت مثمرة في كثير من الأحيان، راكب سأل آخر «طب وأنت هترفض الدستور ليه انت يعني قريته؟» فكان الرد بليغاً «ما هو ده اللي هيخليني أرفضه أنا يعني هوافق على حاجة مقرتهاش وهما مش كانوا بيقولوا هيعملوا حوار مجتمعي فين حصل ده؟». ما قاله الرجل الثلاثيني نال إعجاب عدد من الركاب ووافقوه على قوله إنهم لم يستطيعوا قراءة الدستور «هو احنا فاضيين نشوف عيالنا لما هنشوف الدستور». مبرر عدم قراءة الدستور قابله تأكيد البعض أنه قرأ عدداً من مواده. راكب خمسيني تقريباً بلحية طويلة ويبدو من لهجته أنه من وجه قبلي، سأله شاب، «وانت يا عم الشيخ مش ناويين ترحمونا بقى وتسيبونا نعيش معاكم؟». فرد عليه الشيخ «ومين قالك إني موافق على الدستور. هو أنا عشان أروح أتعالج في مستشفى حكومي لازم يكون معايا شهادة فقر. أجيبها منين دي هو فقرنا محتاج شهادة. دا الناس كلها بقت فقرانة. والشرع بيقول إن الدولة تعالج وتعلم وتحمي رعاياها، لكن احنا أخدنا من الشريعة اسمها بس». الرجل كان يشير إلى مادة في الدستور الجديد تشترط على من يعالج في المستشفيات الحكومية أن يكون «مواطناً غير قادر». حديث الرجل صاحب اللحية كان مفاجئاً لمن هم في العربة، ولاحظ الرجل تلك الحالة من التعجب، فقال لهم بصوت عالٍ «ما تنظروش للمظاهر أبداً. كلنا مسلمين ومسيحين عارفين ربنا. وربنا اسمه الحق والعدل. متخلوش حد يضحك عليكم»، لتضفي لهجة الرجل الصعيدية جلالاً على حديثه ووافق غالبية الركاب على ما قاله.
في حلقة نقاشية أخرى بعربة المترو، شاب يبدو عليه أنه من منطقة شعبية، قال إن الدستور الجديد «ميه ميه دا بيخلي الحكومة (في إشارة إلى جهاز الشرطة الذي يعرفه المصريون بالحكومة) لو تقبض على واحد لازم يكون في محامي وتبلغ أهله لو اعتقلوه ودا مكنش بيحصل». ويقصد الشاب المادة التي تحظر احتجاز مواطن أكثر من 12 ساعة دون علم أهله، وتستوجب أن يحضر أي من المحامين معه أثناء التحقيق، غير أن شاباً آخر رد عليه «دا كله موجود في القانون بس مكنش في حد بيطبق القانون واللي بيطبق الداخلية القانون، والداخلية زي ما هي يعني كتبوا مكتبوش هيبقى الوضع زي ما هو».
جلسة نقاشية أخرى، كادت أن تتحول إلى مشاجرة بالأيادي لولا تدخل الركاب. البداية كانت عندما ركب شاب ووجد مجموعة من الركاب يتحدثون عن الاستفتاء وعن خطاب المعارض محمد البرادعي، مؤسس حزب الدستور، الذي أذيع على عدد من القنوات الفضائية الخميس الماضي. فعندما ركب هذا الشاب، اندمج في الحوار لكنه كان حاداً في هجومه على المعارضين للدستور، واتهمهم «بالعمالة والخيانة». حينها طالبه المختلفون معه بأن يتحدث بأدب عمن يختلف معهم، وتطورت المناقشة وتحولت إلى مشادة كلامية، فتدخّل بعض الركاب وفصلوا بينهم. لكن حالة النقاش لم تنته، فبينما ينزل مواطنون ويصعد آخرون، لا تتوقف النقاشات والمشادات والاشتباكات.