تونس | قبل عامين من اليوم، مرّ خبر إحراق بائع الخضار نفسه في منطقة سيدي بوزيد التونسية مروراً عابراً في الأنباء العالمية، قبل أن يتحوّل الشاب في غضون أشهر إلى أيقونة لحراك اصطلح على تسميته «الربيع العربي». غير أن حصاد هذا الربيع، لم يأت إلى اليوم كما تشتهي سفن الشعوب، وبينها الشعب التونسي، الذي يحتفي بذكرى اندلاع ثورته وسط حال من الانقسام الحاد. انقسام دفع جمعيات ومنظمات تونسية في محافظة سيدي بوزيد (وسط غربي) إلى مقاطعة الاحتفالات التي ستجري اليوم في المدينة. واتهمت حركة النهضة الحاكمة والجمعيات القريبة منها بالالتفاف على الذكرى الثانية لاحتراق الشاب محمد البوعزيزي.

دعوات المقاطعة تترجم حدة الانقسام الذي يخيم على الشارع التونسي بعد عامين من الانتفاضة التي أطاحت نظام الجنرال زين العابدين بن علي؛ إذ أقدم قبل عامين بالضبط (١٧ كانون الأول ٢٠١٠) بائع خضار متجول اسمه محمد البوعزيزي على سكب البنزين على جسده وأشعل النار فيه احتجاجاً على الإهانة التي وجهتها له مراقبة تراتيب بلدية، فعُدّ بذلك شهيداً للكرامة. وكان سقوطه محترقاً في الشارع، أمام مقر المحافظة، شهادة إدانة على عقم السياسة التنموية لنظام بن علي، الذي فرّ بعد الحادثة بأيام ولم تقوَ أجهزته القمعية على مواجهة لهيب الغضب الذي امتد إلى كل المحافظات التونسية، ولتكون تونس بذلك أول بلد عربي يعلن ولادة ربيع الثورة الذي امتد في ما بعد إلى مصر وليبيا واليمن والبحرين وسوريا.
ورغم الحفاوة الكبيرة التي استقبل بها التونسيون هذا «الربيع» الذي خلصهم من الفساد والاستبداد ومكنهم من استعادة حرياتهم، التي كانت مصادَرة تحت حكم الحزب الواحد وعائلات الأقارب والأصهار، ونجاحهم في تنظيم أول انتخابات شفافة نوهت بها المنظمات الدولية، تحل اليوم الذكرى الثانية للانتفاضة التونسية وسط شعور عام بالإحباط بسبب الحصيلة الهزيلة التي تحققت في بلاد البوعزيزي بعد عامين من سقوط النظام. فقد ارتفع عدد العاطلين من العمل إلى نحو مليون بزيادة بنحو ٥٠ في المئة، بعدما أغلقت العديد المنشآت الصناعية بسبب الفوضى والانفلات الأمني وارتفاع عدد الإضرابات والاعتصامات أمام المصانع. كذلك تفاقمت مظاهر الفقر وعرفت الأسعار صعوداً خيالياً وصل إلى ٥٠ بالمئة، حسب آخر تقرير للمنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك. كذلك تضاعف العجز التجاري للبلاد بنحو النصف، رغم القروض التي حصلت عليها الحكومة التونسية، سواء التي أعقبت الثورة أو التي صعدت بعد الانتخابات، وتفاقم التهريب والاحتكار.
أما على المستوى السياسي، فقد عادت هيمنة الحزب على الدولة بعد اعتماد مبدأ الانتماء الحزبي في تعيين المسؤولين في مختلف المستويات الإدارية والسياسية، مثل المحافظين والعمد والمعتمدين والرؤساء والمديرين العامين. وقد كان مطلب الفصل بين الحزب والدولة من أبرز المطالب التي رفعتها المعارضة التونسية طوال سنوات، واعتقد التونسيون أن الثورة ستقطع إلى الأبد مع هذه الهيمنة، لكنها عادت بعد صعود حركة «النهضة»، في الوقت الذي اعترضت فيه كتلة حركة «النهضة» في المجلس التأسيسي على بعث هيئة مستقلة للقضاء. كذلك لم تُشَكَّل إلى الآن هيئة عليا للإعلام السمعي البصري، وهي من بين المطالب الأساسية للثورة التونسية. أما الهيئة المستقلة للانتخابات، فقد اتُّفق أخيراً على القانون المنظم لها، إلا أن عدداً من الحقوقيين، بينهم الرئيس السابق للهيئة المؤقتة التي نظمت الانتخابات الماضية قدح فيها وعدّها لا تستجيب للمعايير الدولية.
وفي الذكرى الثانية لانطلاق الثورة التونسية، تتهم المعارضة وزير العدل نور الدين البحيري، القيادي في حركة «النهضة»، بالتدخل في القضاء من خلال احتفاظه برئاسة النيابة العمومية على نفس طريقة النظام السابق التي تتيح له توجيه القضاء. وتستدل في ذلك بملف مدير القناة التلفزيونية «التونسية»، الذي يقبع في السجن إلى حد الآن، رغم صدور قرار بالإفراج عنه. كل هذه الحصيلة السلبية دفعت أحزاب المعارضة إلى المطالبة بتصحيح مسار الثورة واتهام حركة «النهضة»، وحليفيها «التكتل من أجل العمل والحريات» و«المؤتمر من أجل الجمهورية»، بالالتفاف على الثورة وقيادة الثورة المضادة بالتخلي عن المطالب الحقيقية للثورة، التي لم يتحقق منها شيء، إذا استثنينا حرية الإعلام وحرية الاحتجاج والنشاط السياسي وتكوين الأحزاب والجمعيات.
وترى قوى المعارضة أن الائتلاف الحاكم فشل في إدارة شؤون الدولة بعد عام من الانتخابات وأعاد إلى الأذهان ممارسات نظام بن علي، وخصوصاً في قمع التظاهرات السلمية مثل ما حدث في سليانة، والاعتداء على الاتحاد العام التونسي للشغل وعودة التعذيب إلى مراكز الإيقاف.
وإذا كانت قوى المعارضة تحمل هذه الرؤية، فإن المواطن البسيط لا يرى تغييراً يذكر في حياته، وخصوصاً في مواجهة لهيب الأسعار بعد عامين من سقوط نظام بن علي. أما الائتلاف الحاكم، فيرى أنه لا يملك عصا سحرية لتغيير أوضاع البلاد الغارقة في الفساد والخراب، وأن المعارضة لا تملك إلا الاحتجاج والتآمر بعد فشلها في الانتخابات. ويحب بعض قادة حركة النهضة نعت المعارضة، وخصوصاً الجبهة اليسارية، بـ«جرحى الانتخابات» وأحزاب «الصفر فاصل».
بعد عامين من الثورة، تدحرج ترتيب تونس بأكثر من عشرين نقطة في البلدان الأقل فساداً، وهو مؤشر خطير ومؤسف على حد عبارة الرئيس المؤقت محمد المنصف المرزوقي. فأي مستقبل للثورة التونسية التي نوه بها العالم؟