إسطنبول | كان الأمين العام لحلف شمالي الأطلسي آندريس فوغ راسموسن الأكثر تشجعاً على فكرة إرسال صواريخ الباتريوت إلى تركيا، كما كان الأكثر تحمّساً، وبالطبع مع الأميركيين، لفكرة نصب الرادارات الأطلسية قرب الحدود التركية مع إيران.

وكانت ألمانيا الدولة الأولى التي قررت إرسال منظومتين من صواريخ الباتريوت إلى تركيا ومعها 400 من العساكر الألمان (لماذا هذا العدد الكبير ؟). ولحقت بها هولندا (بنفس العدد) التي يعرف الجميع أنه ليس لديها أي حسابات وأطماع استعمارية في الشرق الأوسط.
وجاءت زيارة وزير الدفاع الأميركي ليون بانيتا، المُفاجئة يوم الجمعة الماضي إلى قاعدة أنجيرليك المهمة جداً جنوب تركيا، لتضع النقاط على الحروف، حيث أعلن قرار بلاده إرسال مجموعتين من الباتريوت إلى تركيا قريباً. وأثارت هذه المعطيات العديد من التساؤلات في موضوع الباتريوت التي يعرف الجميع هنا أن الهدف الأساسي لها هو إيران وليس سوريا، حيث سبق للحلف أن نصب رادارات متطورة قرب مدينة مالاطيا القريبة من إيران، وهي مرتبطة تكنولوجياً عبر الأقمار الاصطناعية بتلك الموجودة في إسرائيل، والتي جرّبتها تل أبيب خلال حرب غزة الأخيرة. وأسقطت هذه الرادارات المدعومة بشبكة واسعة من الباتريوت المئات من صواريخ فجر الإيرانية التي أطلقتها حركتي حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.
كذلك يعرف الجميع أن طائرات «الأواكس» وبعدها الصواريخ البعيدة المدى ستصل إلى تركيا قريباً ضمن ما يُسمى نظام الدرع الصاروخي الأميركي _ الأطلسي وقاعدته الأساسية تركيا التي تحدّ سوريا والعراق وإيران.
وكانت سوريا حجة هذا المخطط الخطير، لأن دمشق لا تفكر ولا تخطط، وليس لها قدرة على شن أي هجوم عسكري على تركيا في ظل ظروفها الحالية. كما أن 6 من منظومة الباتريوت في مثل هذه الحالة لن تكون كافية عسكرياً لمواجهة الصواريخ السورية التي يُقال إن موسكو ستدعمها قريباً بمنظومة جديدة من الصواريخ لمواجهة الباتريوت.
وأما السؤال الأهم في موضوع الباتريوت فهو لماذا راسموسن (الدنمرك) وألمانيا وهولندا؟ الجميع يذكر كيف أن أنقرة قد رفضت التصديق على انتخاب راسموسن أميناً عاماً للحلف الأطلسي واشترطت لذلك اعتذاره للرسوم الكاريكاتيرية التي نشرت في صحيفة «غيلاندز بوستن» الدنمركية في أيلول 2005، حيث كان راسموسن رئيساً للوزراء آنذاك. كذلك شهدت العلاقات الدنماركية _ التركية في عهده فتوراً وتوتراً جدياً بسبب احتضان الدنمرك لتلفزيون حزب العمال الكردستاني والعديد من المنظمات التابعة للحزب.
وفوجئ الجميع في نيسان 2009 بتراجع أنقرة عن قرارها وتصديقها ضمن صفقة مجهولة على انتخاب راسموسن أميناً عاماً للحلف من دون أي اعتذار منه عن الرسوم أو موضوع الكردستاني الذي لا يزال تلفزيونه يبثّ من الدنمرك.
وأما ألمانيا، فهي الدولة التي تعيش فيها أكبر جالية تركية (أكثر من 3 ملايين) في أوروبا. وتتميز العلاقات الألمانية _ التركية بحجمها الكبير جداً في جميع المجالات، حتى السياحية، حيث يزور تركيا سنوياً نحو 3 ملايين و500 ألف ألماني.
وفي المقابل، فإن ألمانيا هي الدولة الأوروبية الأكثر اعتراضاً على انضمام تركيا الى الاتحاد الأوروبي ومعها فرنسا، كما أن ألمانيا وفرنسا أكثر الدول الأوروبية اهتماماً بالملف الكردي، بل وحتى العلوي في تركيا. وهو ما يزعج أنقرة دائماً، ولكن من دون أن يمنعها من التنسيق والتعاون الفعال مع هاتين الدولتين في موضوع سوريا.
أما سجل هولندا فهو الأكثر غرابة بالنسبة إلى تركيا الأكثر اهتماماً بالأزمة البوسنية منذ بداياتها. فقد لجأ الآلاف من البوسنيين المسلمين في تموز 1995 الى مخيمات حفظ السلام الدولية، وكانت تحت حراسة القوات الهولندية في منطقة سريبرينتشا وفق اتفاق مع القوات الصربية، التي تراجعت عن اتفاقها وهاجمت المخيمات وقتلت أكثر من 8 آلاف من المسلمين من دون أن يُحرّك العساكر الهولنديون أي ساكن. ولم تتردد الملكة الهولندية عام 2008 في تقليد العساكر الهولنديين أوسمة الشجاعة لدورهم في البوسنة، كما لم تتردد رئيسة الوزراء الألمانية أنجيلا ميركل، في 9 أيلول 2010، في منح الكاريكاتيرست الدنمركي كورت واسترغارد، الذي أساء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، جائزة حرية الصحافة.
ويبقى السؤال الأهم هو لماذا هذا المثلث الغريب، أي ألمانيا وهولندا والدنمرك في قصة الباتريوت الغريبة؟ فتركيا والحلف الأطلسي ليسا بحاجة الى هذه الصواريخ التي ستُنصب قرب الحدود التركية مع إيران، ثم العراق وأخيراً سوريا. فالجميع يعرف أن قاعدة أنجيرليك الأميركية الموجودة قرب مدينة أضنة جنوب تركيا، وهي في منتصف المسافة على الحدود التركية مع الدول الثلاث، يوجد فيها ما يكفي من الصواريخ والطائرات، بل وحتى القنابل النووية التي بإمكانها أن تُدمّر سوريا والعراق وإيران بالكامل. كما يعرف الجميع أن الحلف، ومعه واشنطن، يستطيع أن يستفيد من جميع القواعد الجوية والبرية التركية الموجودة على طول الحدود مع العراق وإيران وسوريا.
إذاً لماذا هذا الكذب على الشعب التركي وعلى الآخرين ممن يريدون أن يُصدّقوا الروايات التركية والأميركية والأطلسية كما يصدقون كل الأكاذيب منذ بدايتها في موضوع سوريا.
فعندما أطلق الجنود السوريون في نيسان 2012 النار على مجموعة حاولت التسلل من تركيا وأجبرتها على العودة إلى خلف الحدود، وأصابت آنذاك شرطياً تركياً داخل الأراضي التركية، استنجدت أنقرة بالحلف الأطلسي ودعته للتدخل العاجل ضد سوريا.
وعندما أسقط السوريون طائرة تركية داخل المجال السوري في حزيران 2012، عادت أنقرة واستنجدت بالحلف. وكررت هذا الاستنجاد عندما سقطت بعض القذائف السورية في مدينة أكجا قلعة في أيلول الماضي خلال الاشتباكات التي وقعت بين الجيش السوري ومسلحي الجيش الحر، الذين تسللوا من الأراضي التركية إلى الأراضي السورية للسيطرة على البوابة الحدودية في مدينة رأس العين السورية. لقد هدد المسؤولون الأتراك وتوعّدوا في كل مرة بالانتقام من سوريا، وقالوا إن الجيش التركي يستطيع أن يجتاح سوريا بأكملها خلال 3 ساعات ومن دون أن يتحدث أحد آنذاك عن حاجة الجيش التركي إلى الباتريوت لحماية تركيا من أي خطر سوري لا يعرف أحد ما هو.