اليرموك | «يالله ارحمنا يا الله»، هذه المرة لم تكن الجارة «ام محمد» وحدها في هذا الدعاء المرتجف الطالع من القلب والمتوخي الوصول الى آذان السماء، بل كل نساء مخيم اليرموك، او على الأقل من بقيت منهن هنا ولم تنزح، لسبب او لآخر، كعشرات الآلاف الذين تركوا المخيم هاربين من جحيم انفتحت أبوابه في وجوههم.


فالشوارع التي بقيت هادئة حتى الاسبوع الماضي بشكل معقول مقارنة بما يحصل في محيطها، اشتعلت ككومة قش يابسة، وازيز الرصاص كان قد بدأ يعزف موسيقى الموت على إيقاع الكراهية والجنون، فالسلاح دخل المخيم، و القذائف هطلت متعجلة وغزيرة كأمطار الشتاء التي دلقتها السماء بعد انحباس ثقيل، تشتهي اختراق أي شيء، و تنثر شظاياها في كل اتجاه لتقتل اي حياة او أمان، وبذلك تكون قد ادّت مهمته. احدى تلك الرصاصات استقرت بدون وجل في جبين العم «ابو حسان» لتودعه المشفى، و تمنحه ترف الرقاد للمرة الاولى في سرير خاص في العناية المشددة. في هذه الأيام كل شيء تغير ايقاعه عند أطفال المخيم، رنيم الابنة الصغرى للشهيد وليد، الذي قتل في معارك سابقة.. لم تعد تتحدث عن يومها في المدرسة التي تحبها، فالمدرسة قصفت، ولم يبق لها إلا الحديث عن الخوف. اما ابن عمها وسيم، زميلها في الصف الأول، فهو لم يعد يحب المدرسة ولا الكبار الذين اصبحوا متوترين وحزينين وينهرونه باستمرار. كان عندما يخرج من «زنزانة» البيت إلى الحارة، يركض وحده كالسهم بلا سبب واضح سوى أن يؤكد لنفسه بأنه حر. اليوم لم يعد يملك تلك الزنزانة الجميلة ولا تلك الحارة التي كان يمارس فيها فعل الحرية، فقد اصبح مشرداً وهارباً من القصف الى البرد.
في هذه الأوقات العصيبة، يصعب الجزم ايهما اكثر قسوة وغدراً: هل هو الموت الجماعي الذي تحصده القذائف ام ذلك الموت الكامن للأبرياء على سطوح الأبنية يصطادهم في غفلة وينتظر ضحيته بصبر قاتل متمرس؟ احد ضحايا هذا الأخير، كان حسن، في شارع العروبة، ذلك الشاب النحيف والزوج الطيب والوالد الحنون، كان يحاول العبور كغيره لتأمين بعض مطالب العائلة الاساسية، لكن رصاصة القناص خطفته، لم تعطه الفرصة ليفي بوعده ويعود سالما إلى زوجته وابنته المريضة باللوكيميا. قالت له زوجته قبل المغادرة «دير بالك يا حسن»، فأجابها بصوته الهادئ «لا تخافي.. انشالله ما رح يصير لي شي». ليتها منعته من الخروج. ولكن كيف؟
مجزرة جديدة كانت من نصيب المخيم في يوم الاثنين الدامي، الطائرات صبّت حممها على مسجد عبد القادر الحسيني ومدرسة الفالوجة، راح ضحيتها حوالى 165 شهيداً، كانوا هاربين من الموت في اطراف المخيم ليحتموا بالجامع والمدرسة، فتبعهم إلى ابوابها، وبسبب هول هذه الصدمة هجر الآلاف من ابناء المخيم يرموكهم، وانتشروا في شوارع دمشق واحيائها كالمضروبين على رؤوسهم والضائعين، وتزاحموا على حدود لبنان والأردن في مشهد سريالي يعيد ذكرى النكبة الأولى.
اعلن الكثيرون «وفاة المخيم»، لكنهم هذه المرة ايضاً فشلوا في اغتياله، فسرعان ما انتهت الصدمة، ومن بقي صامداً فيه طالب النازحين بالعودة إليه، فلا مكان لهم سواه ليحميهم من هوان الضياع مرة أخرى في نكبة أخرى. هكذا نزلوا الى الشارع بمجرد استتباب الهدوء حاملين معهم «المقشة والرفش» لتنظيف شوارعه من آثار الدمار، وقد لبت الجموع النداء مع اعلان الاتفاق على خروج جميع الأطراف المسلحة من مخيم اليرموك، وحتى قبل اعلانه، عاد الكثيرون إلى واحة المخيم وهم يهتفون ويصرخون «ع اليرموك .. راجعين». عادوا وعادت الحياة لتنبض في ثناياه من جديد، الجميع ساعد الجميع، العديد من الشوارع نظفت وبعض أفران الخبز عادت إلى العمل سريعا، أعيد تأهيل جامع عبد القادر الحسيني من جديد، وأدى حوالى ألف من الأهالي صلاة الجمعة فيه، ورغم تسلم منظمة التحرير، بحسب الاتفاق، ادارة المخيم، وخروج المسلحين من الجهتين كما قيل، ما زالت انباء بعض الاشتباكات وعمليات القنص تسمع عند أطراف المخيم، ولكن ما يهم الآن أن الأطراف التي أرادت حرق المخيم، فشلت من جديد، معطية النموذج عن الحكمة الاهلية ووعي القيادات حين يتضافرا ويمنعا المجرم من تحقيق هدفه. صحيح أن الكثير من ابنائه خلال الأزمة هجروه، لكن الكثير صمدوا فيه، والكثير أيضاً لبّوا النداء وعادوا إليه. ورغم سكرة الموت التي مرت بجهود منصمدوا ومن عادوا، نجت السفينة وعاش المخيم.
«لقد انقذنا المخيم»، هذا ما قاله محمود الخالدي سفير دولة فلسطين في دمشق بعد التوصل إلى الاتفاق حول المخيم الذي نزحت منه آلاف العائلات نتيجة تحوله إلى ساحة حرب حقيقية بين طرفي الصراع في سوريا. صحيح ان الناس عادوا سريعا الى المخيم بعد سريان الاتفاق،
لكن السؤال الذي يشغل بال العائدين هو التالي: الى متى سيصمد هذا الاتفاق وما ضمانات سريانه؟




توزعت الأدوار في معالجة آثار العاصفة التي مر بها مخيم اليرموك وشوهت وجهه، فإضافة إلى الجهود الحثيثة التي بذلتها منظمة التحرير الفلسطينية وسفارة دولة فلسطين في دمشق لمعالجة الأزمة على المستوى السياسي، كان هنالك العديد من الجنود المجهولين الذين ساهموا في ابقاء شريان الحياة نابضاً في المخيم على المستوى الميداني، منهم «كشافة فلسطين» و«مؤسسة بصمة» و«جفرا». كذلك كان هناك دور كبير لجمعية فلسطين الخيرية، ومجموعة ايثار الخ، وحتى أصحاب المحال قدموا بضائعهم بأسعار مخفضة، خاصة تلك الاحتياجات الأساسية