لا يعرف الفلسطيني اليوم لموته سبباً*



مخيم اليرموك ــ ماهر أبو ماهر
أطفالاً صغاراً كنا، شهود عيان على الرحيل اليومي لأبناء مخيم اليرموك في ثمانينيات القرن الفائت، وكان المخيم وقتها مصنع الأبطال، أو هكذا كنا نسميه، يصدّر الفدائيين لمواجهة الإسرائيليين في لبنان، يعود بعدها ليستقبلهم شهداء. يحجزون أماكن لهم، بعضهم إلى جانب بعض، ويشكلون معاً مقبرة الشهداء في المخيم، وهي المقبرة التي سرعان ما صار اسمها مقبرة الشهداء القديمة، بعد أن غصّت بساكنيها، وجعل أهل المخيم لشهدائهم مقبرة جديدة.

وإلى جانب كلا من المقبرتين، كانت تقوم مقبرة لبقية موتى المخيم، وتتمدد هي الأخرى لتلتصق بمقبرة الشهداء، دون أن يثير التصاقهما حساسية بين الموتى شهداء والموتى بلا شهادة. فقد كان أموات المخيم دون الشهداء، مشاريع شهداء أيضاً، ومن لم يستشهد منهم على طريق العودة صوب فلسطين، مات وعيناه متسمرتان في الطريق ذاته.
بعد حوالى ثلاثين عاماً، كبر الصغار في مخيم اليرموك وباتوا رجالاً. صار الشهود شهداء، ومخيم اليرموك الذي أصيب بالعقم ما قبل أوسلو بسنوات حتى تلك الساعة (باستثناء عدة ولادات من الخاصرة) عاد ليحمل بالشهداء من جديد، ومعهم عاد لشارع اليرموك وسط المخيم صخبه، وعادت صور الشهداء إلى جدران المخيم لتأخذ مكانها وسط إعلانات المطاعم وتنزيلات محال الألبسة في شارعي لوبية وصفد، إضافة إلى ملصقات عروض المسرح وحفلات الحنين إلى الوطن الغنائية.
صار للمخيم بشهدائه معنى، وجاء المعنى بأبلغ معانيه منتصف أيار 2011، يوم ذكرى النكبة، حين زفّ مخيم اليرموك في زمن (الصلح والتفاوض والاعتراف) شهداء سقطوا في الطريق إلى فلسطين، وعلى مرمى حجر من حدودها، ومنهم من عبر الحدود وصدق ما عاهد الله عليه، وعاشه في أحلامه.
بعد أيار سيزفّ مخيم اليرموك مجدداً، ومعه مخيم خان الشيح، شهداء جدداً في حزيرانات قادمة... ويصير لذكرى شهري النكبة والنكسة في حياة لاجئي مخيم اليرموك معنى آخر، تختلط فيه المرارة بنشوة اننا فيهما قدمنا شهداء من أجل فلسطين. ربما من الناس من شكك في تلك الحقيقة... إلا أن أياً منهم لم يراوده شك في أن شهداء المخيم كانوا وقتها يصبحون على الوطن.
تاريخ الشهادة الفلسطينية الجديد كما بدأه لاجئو مخيم اليرموك بأبلغ معانيه في أيار 2011، سرعان ما دخل دائرة الحيرة زمن «القذائف العمياء»، في ظل الأزمة التي تشهدها سوريا، البلد الحاضن لمخيم اليرموك... فقد بقي المخيم يزف الشهداء كما فعل في أيار، لكن شهدائه هذه المرة لم يسقطوا على طريق فلسطين، سقطوا بالقرب من بيوت لجوئهم في المخيم، سقطوا بلا معنى، وبلا سبب، سوى أنه صدف مكان وجودهم مكان سقوط القذيفة.
وحين صارت المصادفة هي من تختار شهداءها من اللاجئين، لم تعد الشهادة في المخيم قراراً سيادياً لأبناء اليرموك. صاروا جميعهم مشاريع شهداء، ومن لم يمت منهم بالقذيفة مات في المخيم بغيرها، تعددت الأسباب، نعم، لكن موت أبناء المخيم لم يكن في يوم من الأيام واحد.
وحين تكون المصادفة على هذا النحو هي السلطان، يعرف أبناء مخيم اليرموك معنى الخوف أكثر، ومنهم من عرفه لأول مرة حين قصف المخيم وحين احتله المسلحون. ولكن أبناء المخيم لا يخافون الموت، بل طريقته. هم قد ينجحون حيناً في قصم ظهر المصادفة فيه حين يحتالون عليها، فيسبقونها إلى القذيفة. هذا ما حصل على الأقل في شارع الجاعونة وسط مخيم اليرموك، في الثاني من آب الماضي، حين اختارت القذيفة جرح عدد من أبناء هذا الشارع، واختار أبناء آخرون من الشارع ذاته أن يموتوا شهداء، بقذيفة ثانية أرادت أن تحول بينهم وبين إسعاف جرحى القذيفة الأولى، فغافلوا المصادفة وجعلوا لشهادتهم معنى بأضعف الإيمان... سقط وقتها أكثر من عشرين شهيداً، وبينهم كان أطفالاً.
إلا أن معنى الشهادة يبقى ناقصاً وسط شباب المخيم، فلا هو بلغ معنى الشهادة التي كانوا عليها شهوداً صغاراً في الثمانينيات، ولا هو لامس شكل الشهادة التي اختاروها عند الشريط في الجولان المحتل في أيار 201... بات الموت جرحاً غائراً في جبين المخيم الفلسطيني، والخوف بعضاً من أحواله، لا خوفاً من الموت بل خوفاً من أن يكون بلا سبب، كما يحصل الآن.
يكره الفلسطيني في شتاته أن يموت بلا سبب، ربما لذلك هو لم يزل حتى الساعة يهادن الموت بعيداً عن فلسطين. يتحاشاه كلما استطاع إلى ذلك سبيلاً. وكلما غلبه الموت بالوقت غلبه الفلسطيني بالأولاد... فإذا ما مات الأب يترك السبب وصية عند الأبناء... لكن الموت اليوم بمصادفة القذيفة يقضم الأبناء قبل الآباء في المخيم..
ولا أحد من الموتى... لا أحد يعرف اليوم لموته سبباً!.
* كتب هذا النص قبل أحداث مخيم اليرموك الأحد الماضي