أدلى العمانيون، أول من أمس، بأصواتهم لاختيار المجالس البلدية في اطار الإصلاحات التي اتخذتها السلطات منذ العام الماضي، تجاوباً مع المطالب الشعبية بتوسيع نطاق المشاركة في الحياة السياسية. هذه الخطوة الاصلاحية على أهميتها، غير كافية في نظر الكثير من العمانيين، الذين يدعون إلى اصلاحات حقيقية في السلطنة، ليس أقلها افساح المجال أمام حرية التعبير للمعارضين، دون أن يكون سيف الاتهامات بإعابة الذات السلطانية والنيل من مكانة الدولة مصلتاً على رقابهم ليجدوا أنفسهم في السجن.
فقبل أقل من أسبوعين، أيدت محكمة الاستئناف في مسقط أحكاماً بالسجن لمدد راوحت بين 6 أشهر وعام بحق 23 شخصاً في أعقاب ادانتهم في ما يعرف بقضية «الكتابات المسيئة والتحريضية وجرائم الإعابة والتجمهر ومخالفة قانون تقنية المعلومات».
لبعض هؤلاء، ممن أطلق سراحهم بانتظار أحكام الاستئناف، روايات متعددة عن ظروف الاعتقال، التعذيب النفسي الذي اتبع بحق المعتقلين، والمخالفات التي رافقت التحقيق والمحاكمة، لكنّ كل ذلك يبقى بالنسبة إليهم ثانوياً. فالقضية وفقاً لما يؤكدون لـ«الأخبار» «قضية مطالب محقة خرج لأجلها الناشطون إلى الشارع، أو لجأوا إلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عنها»، فكان نصيبهم السجن في محاولة لردعهم عن الاستمرار في توجيه اي انتقاد، والايحاء بأن سلطنة عمان لم يمسها الحراك العربي.
هذا الحراك، الذي كانت السلطنة على موعد معه منذ شباط 2011، بدأ من دوار ولاية صحار عقب تجمع عدد من موظفي شركات القطاع الخاص للمطالبة بتحسين اجورهم، قبل أن يتمدد. ولأنه حراك «لا يهدف سوى إلى الاصلاح»، يقترن الحديث مع أي ناشط عماني بعبارة «نحن لا نطالب بتنحي السلطان، لكننا نطالب بإصلاحات حقيقية تشمل الرؤوس النافذة في الدولة»، كذلك يحضر التمني بأن يقدِم السلطان، الذي يعد من بين أطول الحكام العرب حكماً، بقضائه 42 عاماً في منصبه، على اتخاذ تغييرات جذرية، لا أن يكتفي «بحقن تخديرية» على غرار ما حصل خلال الاحتجاجات.
المطالب الاصلاحية للعمانيين لخصتها عريضة مسيرة «نداء الخير»، التي رُفعت للسلطان في شباط 2011، وركزت في حينه على أهمية مكافحة الفساد الاداري والمالي، إصلاح الحكومة بإقالة الوزراء غير الأكفاء ومحاسبتهم، تفعيل لجان مجلس الشورى وإعطائها صلاحية مراجعة سياسات الوزارات والتصويت عليها قبولاً ورفضاً. أما في الجانب الاجتماعي، فشددت على أهمية إنشاء الجمعيات الأهلية والخيرية والتعاونية والثقافية بشروط ميسرة، ورفع مستوى المعيشة للفرد العماني من خلال ايجاد فرص عمل للعاطلين من العمل، رفع رواتب أسر الضمان الاجتماعي، رفع مستوى الحد الادنى للاجور للموظفين في القطاعين العام والخاص، توفير مخصصات شهرية للعاطلين من العمل، فضلاً عن إعفاء المواطنين من الديون المصرفية الحكومية والخاصة.
وبعد فشل محاولة السلطات اجهاض الحراك من خلال اللعب على الوتر المذهبي (اباضية/سنّة) وفقاً لما يؤكد الناشطون، وذلك بفعل مشاركة عمانيين من مختلف الفئات في الاحتجاجات، أصدر السلطان قابوس عدداً من المراسيم، التي حاول من خلالها امتصاص الغضب الشعبي.
أبرز التعديلات شملت المادة السادسة من النظام السياسي (الذي تدار البلاد وفقاً لأحكامه)، والمتعلقة بكيفية اختيار السطان، وخصوصاً أن تأمين انتقال السلطة يعد مثار جدل كبير في الأوساط العمانية في ظل عدم وجود ولي عهد، ما يجعل البعض يتخوف من المستقبل ووقوع البلاد في الفراغ. وبعدما كانت هذه المادة تنص على أن «يقوم مجلس العائلة الحاكمة، خلال ثلاثة أيام من شغور منصب السلطان، بتحديد من تنتقل إليه ولاية الحكم، وإذا لم يتفق مجلس العائلة على اختيار السلطان، قام مجلس الدفاع بتثبيت من أشار به السلطان في رسالته إلى مجلس العائلة»، أشرك التعديل رئيسي مجلس الشورى والدولة ورئيس المحكمة العليا وأقدم اثنين من نوابه في مهمة تثبيت من أشار إليه السلطان.
لكن هذا التعديل يبقى من وجهة نظر الناشطين العمانيين ناقصاً، على اعتبار أن مسألة ولي العهد ضرورة ملحة في ظل عدم زواج السلطان قابوس، وعدم وجود اطار واضح لمجلس العائلة المكلف اختيار السلطان المقبل. فالأسرة البوسعيدية ليست منخرطة في السياسة. السلطان، الذي سبق أن انقلب على والده سعيد بن تيمور عام 1970، لجأ إلى اعتماد سياسة اقصاء جميع أقاربه عن الوزارات السيادية، فضلاً عن أنه أقال أبناء عمه من الجيش، وعينهم في وظائف مدنية، فيما فضل تقريب آخرين منه، ممن يدرك أنهم لا يمثلون تهديداً محتملاً له لعدم توافر الشروط التي تؤهلهم للحكم لديهم. وقد مثلت الاحتجاجات فرصة لعودة طرح موضوع ولي العهد، بعدما كان يبحث فيه على خجل.
وإلى جانب تعديل المادة السادسة، منح السلطان مجلس الشورى صلاحيات رقابية وتشريعية، فضلاً عن أن رئيس مجلس الشورى أصبح يُختار من بين أعضاء المجلس من خلال انتخابات داخلية، كما منح المواطنين حق اختيار مجالسهم البلدية، للمرة الأولى في تاريخ السلطنة.
لكن المشكلة الرئيسية في نظر الناشطين تكمن في محدودية قدرة مجلس الشورى على استجواب الوزراء، اذ ان هذا الحق يقتصر على الوزارات الخدماتية لا الوزارات السيادية. أما السبب، فيرتبط بكون السلطان قابوس، لا يحتل فقط منصب رئيس الوزراء، بل يضع يده أيضاً على الوزارات السيادية، وتحديداً الدفاع والخارجية والمالية، ويكلف «وزيراً مسؤولاً» إدارتها.
ضمن هذا السياق، يصر الناشطون على ضرورة الفصل بين منصب السلطان ورئاسة الوزراء والوزارات، لأن امساك السلطان بجميع السلطات، يؤدي إلى تصوير أي انتقاد للوزارات السيادية التي تعد من أكثر الوزارات ارتباطاً بملفات الفساد، على أنه اعابة في الذات السلطانية.
وعند الحديث عن الفساد والهدر، فإن أول ما يتبادر إلى أذهان الناشطين العمانيين نفقات المكتب السلطاني المتضخمة التي تحتل 15 في المئة من ميزانية الدولة (547 982 ألف ريال على الأقل، من أصل 3 ملايين و500 ألف ريال، وفقاً لميزانية 2012، التي أقرتها السلطات بعجز يصل الى 3,12 مليارات دولار (5 في المئة من الناتج المحلي).
كذلك، لا يغفل الناشطون التوقف عند ميزانية وزارة الدفاع الموضوعة بتصرف السلطان، التي لا تخضع لاي رقابة، أو الفساد الذي شمل انشاء مطار مسقط، إن في ما يتعلق بالشركات التي لزمت تنفيذه أو المليارات التي أهدرت خلال عملية البناء، لكنّ الأهم، يتعلق بالفساد المرتبط بقطاعي النفط والغاز، وتحديداً الجزء المتعلق بفضيحة حقل «هرويل النفطي». فبعد تقديرات أجنبية بأن الحقل سينتج 150 الف برميل يومياً، وصرف أكثر من مليار دولار لتطويره وتأخير في تشغيله لما يقارب 4 أعوام، كانت المفاجأة في أن قدرته الانتاجية لم تكن على مستوى التوقعات.
والحديث عن النفط والغاز لا بد أن يقود أيضاً إلى الحديث عن الغموض الذي يكتنف صفقة الغاز الموقعة بين الشركة العمانية للغاز الطبيعي المسيّل وكوريا الجنوبية، لتزويد طوكيو بالغاز، وفيما لا يقل السعر العالمي عن 50 سنتاً للمتر المكعب، فإن أنباءً تسربت أفادت بأن الصفقة حددت السعر بـ 20 سنتاً.
وسط هذه الأوضاع، هناك أعضاء في مجلس الشورى ممن يقرون بالحاجة إلى اصلاحات، بينهم عضو المجلس توفيق اللواتي، لكن الخلاف من وجهة نظره يتركز على الآليات لتحقيق هذه الاصلاحات.
اللواتي، الذي أكد أنه يتحدث بصفته الشخصية لا نيابةً عن المجلس، لا ينكر أن الحرك في عام 2011 بدأ بمطالب واقعية ومحقة، تقدّمها مطلب تحقيق التنمية وعدالة الدخل وفرص العمل والمشاركة في صنع القرار السياسي. وهو ما يرى أنه «جرت الاستجابة له بالحد الأدنى من الكلف، مقارنةً بدول أخرى بفضل حكمة صاحب الجلالة، حيث استُحدثت فرص عمل واتُّخذ عدد من الاصلاحات، بما فيها منح مجلس الشورى مزيداً من الصلاحيات»، لكن هذا الأمر ليس كافياً «فالمطلوب اليوم أن يكون للمجلس صلاحيات كاملة»، معرباً عن توقعه بـ«تحقيق هذا الأمر في الوقت القريب».
اللواتي الجازم بأنه «في الخصوصية العمانية لا يمكن أن نقبل اي اساءة إلى السطان لأنه رمز الوطن»، يؤكد أن «انتقاد أداء الوزراء أو الوزارات لا يعني اعابة في حق الدولة»، لذلك لا ينسى اللواتي، بالرغم من تأكيده الحرص على الاستقلالية القضائية، تسجيل «عتب على المنحى الذي سلكته قضية النشطاء، حيث اختير الأسلوب الأمني والقضائي للرد بدلاً من استيعاب التحركات والاحتجاجات، واشراك الناس في صنع القرار».
وانطلاقاً من أهمية استيعاب هذه المطالب، يوضح اللواتي أن مجلس الشورى وجه دعوة إلى الحوار مع الشباب، وخصوصاً أن المطالب محقة والشخصيات التي تولت رفعها هي شخصيات وطنية وقانونية لا أحد يشك في ولائها للسلطنة.
يبقى أن الآليات في الوصول إلى الهدف هي المختلف بشأنها. ومع ذلك فإن التفاؤل يبدو مسيطراً على اعتبار «أننا بدأنا في مجلس الشورى نمارس دوراً تشريعياً رقابياً»، لكن المطلوب انتظار المزيد من الوقت «لأن هناك شخصيات ذات تفكير أحادي، ويجب أن يمر وقت كافٍ قبل أن تصبح لديها القدرة على تقبل النقد والرقابة»، كما أن هذا الوقت مطلوب أيضاً للوصول إلى مرحلة عدم وجود وزارات سيادية ورئيس وزراء قابل للمساءلة «لأن الرقابة لا بد أن تشمل جميع الوزارات».
كذلك يبدي اللواتي تفاؤله بامكانية «أن نصل في القريب العاجل إلى افساح المجال أمام المزيد من الحريات والتجمهر ضمن القانون، لأنه لا يمكن أن نكون حالة مستثناة عن العالم، لذلك لا بد من المزيد من التسامح والحوار».
أما رئيس جمعية الصحافيين، عوض باقوير، فلا يتردد في التأكيد على أن العمانيين يشعرون بقفزة نوعية ايجابية في ما يتعلق بحرية التعبير في السلطنة. وبالنسبة إليه «ليس هناك أي جدال في الحق في انتقاد الأمور السلبية، لكن ضمن القوانين ودون أن تتحول إلى انتقاد شخصي، فليس مقبولاً اللجوء إلى السب والشتم».
رئيس جمعية الصحافيين يؤكد أيضاً أن السلطات استجابت للكثير من المطالب التي رفعها المحتجون خلال الحراك، وتحديداً المتعلق منها بالمطالب المعيشية، وتوفير فرص العمل وانشاء المجلس الأعلى للتخطيط.
وعلى الرغم ممّا يثيره تركيز السلطات الرئيسية في يد السلطان من انتقادات، يفضل باقوير الركون إلى النظام الأساسي الذي ينظم العلاقة بين السلطات، وخصوصاً «أننا لسنا جمهورية، بل سلطنة. ومسألة فصل السلطات بحاجة إلى وقت». وللسبب نفسه «لا بد من التدرج في الاصلاحات، ولا يجوز حرق المراحل، لأن مختلف هذه المطالب الاصلاحية تأتي في اطارها الطبيعي المنظم البعيد عن التجريح».
وفيما يُعدّ موضوع مستقبل البلاد بعد السلطان قابوس من أكثر المواضيع الشائكة، يرى رئيس جمعية الصحافيين، أن المطالبات بتعيين ولي العهد لطمأنة المواطنين إلى مستقبل انتقال السلطة لا داعي إليها، «لأن المسألة أولاً وأخيراً ترجع إلى تقاليد الأسرة البورسعيدية، والسلطان لا يريد أن يكسر هذه القاعدة»، فضلاً عن أنه من وجهة نظره «ليس هناك أي غموض في ما يتعلق بانتقال السلطة في ظل وجود النظام الأساسي».




معتقلون في حب عمان

بدأ عدد من النشطاء العمانيين بتسليم أنفسهم للسلطات بعد تأييد محكمة الاستئناف للاحكام الصادرة بحقهم بالسجن، فيما يستعد عدد آخر منهم للقيام بالخطوة نفسها، واصفين ما يتعرضون له بأنه «زفاف شباب الوعي الى سجن سمائل لقضاء فترة السجن في حب عمان». في المقابل، فإن الناشط نبهان الحنشي استبق قرار محكمة الاستئناف بالخروج من السلطنة. يروي الحنشي كيف قضى 94 يوماً في السجن، بينها 54 يوماً في سجن انفرادي متنقل بين المعتقلين السريين للأمن الداخلي وسجن سمائل المركزي. كذلك تحدث عن ظروف الاعتقال بما في ذلك العزل، الذي يخضع له المتهمون في مكان مجهول، وطبيعة التحقيقات التي أجريت معهم بغياب أي محامٍ قبل سوقهم إلى المحكمة وتعيين محامين لهم ومنحهم أقل من 48 ساعة لقراءة ملف القضية والترافع أمام المحكمة.
كما توقف عند حملة تشهير غير مسبوقة تعرض لها الناشطون، لكن بالرغم من كل ذلك يؤكد الحنشي أن السجن لن يؤثر في «ثبات العديد من المتهمين واقتناعهم بأهمية الطريق الإصلاحي الذي يمشون فيه».