«الحرب» استخبارية وأمنية... وسيناريو الخطف قائم



الجنديان الإسرائيليان هدار جولدن وشاؤول آرون، اللذان أعلنت المقاومة الفلسطينية أسر أحدهما ولم تقدم إجابة واضحة عن مصير الثاني، في حرب عام 2014، حيّين كانا أو ميّتين، هما كلمة السر التي تخوض في سبيلها أجهزة الأمن الإسرائيلية، المتعددة، معركة استخبارية شديدة الحساسية. لذلك يجب ألا يخدعكم الهدوء الملاحظ على الحدود الشرقية (البرية) والغربية (البحرية) لقطاع غزة؛ فهدوء الميدان يخفي كثيراً من الصخب في غرف المخابرات والأمن، لدى الطرفين.
من جهة المقاومة، لا يمثل مقتل رجل «الشاباك» أمير ميموني، في الثامن من آذار الماضي على حدود غزة من الجانب الفلسطيني، إلا جزءاً من معركة تخوضها المقاومة الفلسطينية مع أجهزة أمن العدو. ففيما انتهى التحقيق الإسرائيلي إلى أن مقتله كان بنيران صديقة، تقول مصادر في المقاومة لـ«الأخبار» إن هذا ليس دقيقاً. فهل تكون القصة عملية استدراج عبر عميل مزدوج انتهت به إلى «نقطة الموت»؟

البحر ساحة رخوة للاختراق أكثر من الحدود الشرقية والشمالية

بعدما فرضت الخسارة الإسرائيلية في صفقة جلعاد شاليط عام 2011 (حرّرت الصفقة 1027 أسيراً بينهم قيادات كبرى) تغيير المبادئ التي تحكم تنفيذ التبادل مع «الجهات المعادية»، ستستنفد الأجهزة الأمنية الإسرائيلية كل السبل لمعرفة مصير الجنود أولاً، ومحاولة تحريرهم إن كانوا أحياء، أو اتخاذ إجراء «هنبيعل» بصورة متأخرة... قبل أن ينتقل الدور إلى صفقة اضطرارية. والجدير بالتذكير أن قضية شاليط استغرقت خمس سنوات، فيما يبدو حالياً أن غزة بملفاتها المعقدة، إضافة إلى وجود نحو أربعة جنود أسرى كما أظهرت رسالة «كتائب القسام» المرئية الأخيرة، ستأخذ نفساً أطول قبل أي إنجاز.
إلى جانب «هنيبعل»، الذي فعّله الجيش الإسرائيلي لمرتين في حرب 2014، وينص على استخدام أقصى قوة وقصف عشوائي لمنع عمليات الأسر، أقرّت تل أبيب رفض المصادقة على أيّ تبادل يقايض فيه جنود أموات، بأسرى فلسطينيين أحياء، وهو ما يفسّر احتفاظها بعدد كبير من جثامين الشهداء الفلسطينيين، لإجراء مبادلة أموات ــ أموات، كما يرى توفيق أبو شومر، وهو مختص في الشؤون الإسرائيلية. اللافت أكثر، أن المؤسّسة العسكرية في إسرائيل تولي اهتمامها بالجنود العاملين في الخدمة، ويتبيّن ذلك من إخراجها جندي الاحتياط والمدني الأسيرين لدى المقاومة، إبراهم منغستو وهاشم شعبان السيد، من إطار البحث، قائلة إنهما دخلا غزة عن طريق الخطأ. وقد تظاهر يوم أمس عشرات المستوطنين في مدخل مدينة عسقلان المحتلة للمطالبة بالإفراج عن منغستو.
بالعودة إلى العمليات الإسرائيلية في غزة، يتضح أن هناك من يبحث عن «صيدٍ ثمين» يمكن أن يستخدمه كورقة قوة تفيده في تخفيض الثمن الذي يمكن أن يخسره في سبيل إغلاق ملف الجنود. وتداخل ذلك مع «اختطاف» الشابين عمر أبو فول وسامي العطاونة من الحدود الشرقية والشمالية، ولكن يبدو أنها قضية منفصلة عن سيناريو اختطاف قيادي وازن في المقاومة، وفق تأكيد مصادر أمنية، وتجري معالجة قضيتهما على انفراد. وتزامن ذلك مع حضور كثيف لـ«كتائب القسام» على مختلف مفترقات وطرق القطاع، خاصة الحدودية، مع تأكيد المصادر الأمنية أن «القسام» حددت جدولاً دورياً موزعاً على خلاياها كافة للانتشار. لكن، لماذا الآن؟
سبق لإسرائيل خطف قيادي قسّامي كان على علاقة بأسر شاليط

يكشف أحد القيادات الميدانية في «سرايا القدس» («الجهاد الإسلامي») عن معلومات حصلت عليها المقاومة، تشير إلى «تشكيل العدو وحدة كوماندوس متخصصة في عمليات الاختطاف، نشطت في كل من لبنان وسوريا ومؤخراً في غزة، وتهدف إلى اختطاف شخصيات يمكن أن تشكل رافداً معلوماتياً يحتاج إليه الشاباك». هذا السيناريو تحديداً حدث عقب أسر الجندي جلعاد شاليط عام 2007، حينما خطف الإسرائيليون مهاوش القاضي، أحد قيادات «القسام»، وهو ممن خططوا لعملية أسر شاليط، بعدما تنكرت قوة إسرائيلية بلباس «القوة التنفيذية التابعة للشرطة الفلسطينية». لكن القاضي لم يكن «الصفعة» الأمنية الوحيدة آنذاك التي تلقتها المقاومة، بل حاولت وحدة كوماندوس أخرى اختطاف الشهيد رائد العطار، أحد أبرز قياديي الكتائب (استشهد في 2014)، وفق تأكيد المصادر.
«عملياً لم تدخل إسرائيل حتى هذا اللحظة حيّز المواجهة المباشرة»، يقول المحلل والأستاذ الجامعي وليد المدلل، «هي حاولت شراء الزمن لجمع المعلومات الاستخبارية اللازمة، وتبريد قضية جنودها الأسرى في جبهتها الداخلية». المدلل، الذي ينشط في مجال الشؤون الإسرائيلية، يقدّر أن «إمكانية أن يفاجئ الاحتلال فصائل المقاومة بعمليات كوماندوس واردة، خصوصاً أنه يمتلك الإمكانات التي تشعره بأنه يسيطر على الميدان». ويستدرك: «حادثة مقتل ميموني أظهرت أن منظومة الاحتلال فيها ثغرات تشكل نقاط قوة للمقاومة»، لكن أبو شومر يرى أن نقاط ضعف المقاومة تتثمل في «استعجالها الذي دفعها إلى الإعلان عن عدد ما تحتفظ به من جنود، أمام ما يتمتع به الاحتلال هذه المرة من هدوء ورويّة، وما يبديه من لامبالاة».
المصادر التي تحدث أولاً، ذكرت أن العدو حاول مؤخراً تنفيذ عمليات كومانوس مصدرها البحر، فيما يعزو القيادي في «السرايا» فتح ساحة البحر، إلى أن المقاومة «سدّت منافذ الحدود الشرقية البرية أمام العدو»، نظراً إلى «وجود وحدات رباط مكثفة في تلك المناطق». ومع أن عملية فاشلة يقع فيها جنود إسرائيليون في قبضة المقاومة يمكن أن تقود إلى حرب، فإن الباب مفتوح أمام المغامرة، خاصة أن الإسرائيليين يستعينون فيها، عادة، بوحدات عربية (بدو ودروز والهاربين من «ميليشيا لحد»). يختتم القيادي الميداني في «الجهاد» بالقول: «ربما يظن الاحتلال أن الساحل البحري منطقة أمنية رخوة، فيتخذه ممراً لوحدات الكوماندوس الخاصة به، فليجرّب... نحن مستعدون».



سعي إسرائيلي للهرب من «لعبة كشف المصير»

من الواضح أن إسرائيل، بمستوياتها القيادية، قررت ألا تخوض مع المقاومة الفلسطينية عامة، و«حماس» خاصة، لعبة «كشف المصير»، التي أصابت مجتمعها بصدمة كبيرة، خلال إجراء تبادل الأسرى بينها وبين حزب الله في لبنان، حينما كانت تنتظر فرصة لخروج جنودها أحياءً، ليتبين لها في النهاية أنهما تابوتان؛ هذه المرة، أعلنت إسرائيل أن من فقدتهم في غزة بحكم الأموات، بل أقامت جنازات عسكرية لبعضهم، لتبدأ التفاوض على قاعدة أنهم أموات، وتنهي أي شعور بالصدمة لدى الرأي العام، واستباقاً لأي مطالب فلسطينية عالية، خاصة أن «حماس» استبقت التفاوض بشرط، هو تحرير الأسرى المحررين ممن أعيد اعتقالهم في التبادل الأخير عام 2011.
هذه العملية كان تدريجية. فقبل أن تعلي إسرائيل سقف الشروط كما الحال الآن، اشترطت كشف مصير جلعاد شاليط حتى تدفع ثمناً فارقاً في تاريخ الصراع العربي ــ الإسرائيلي، 1027 أسيراً وأسيرة فلسطينية، مقابل جندي واحد. كذلك فإن شريط الفيديو الذي أثبت أن شاليط على قيد الحياة، اشترط مقابله الإفراج عن غالبية الأسيرات... فهل تنجح المقاومة وتضطر العدو إلى تقديم ثمن مسبق؟