عربة بيبسي لبيع المشروبات تقف منذ طلوع الشمس في يوم الجمعة الموعود على الرصيف القريب للبحر. كلما سأل أحد صاحبها عن خوفه من موجة تسونامي قد تحصل فجأة، ضحك وأجابه: "أنا أصلاً بستناها.. وعلى استعداد أضحِّي بنفسي من أجل غزة!. يا أخي الواحد بيرتاح من هالعيشة وبيريِّح.. وينك يا تسونامي!".

كانت العربة وصاحبها تحرقهما أشعة الشمس الشتوية القريبة من كوكبنا في هذا الموسم، والرجل يمسح عرقه المتصبب ناظراً الى البحر من طرف خفي كمن ينتظر شيئاً لا يصدق أنه سيأتي. منذ أسبوع تقريباً والأخبار في الفيسبوك وفي المواقع الإخبارية تتحدث عن تسونامي ستطيح بغزة وأهلها! الكل كان متفقاً على كذب الخبر الذي ورد على بعض المواقع الإسرائيلية، لكن البعض كان مصدقا تماماً! البعض نفى، والأغلبية سخرت، وأطلقوا "هاشتاغات" تتحدث عن موجة تسونامي وموعد حدوثها الذي كان "مقرراً" في يوم الجمعة الماضي.
حسناً، وماذا لو جاءت موجة تسونامي وابتلعت غزة! هل ستبتلع الحصار أيضاً؟! منطقياً نعم.
لكن الجميع كانوا متفقين أيضاً على شيءٍ آخر غير مُصرح به: وهو أننا في غزة نتوق لأي تغيير ولو كان زلزالاً أو مصيبة.. أياً يكن المهم أي تغيير يقتل "أم الروتين" الذي نعيشه. فالروتين ممل ولو كان حياة هادئة فكيف بالحياة المنزوعة الدسم التي نحياها منذ سنوات وسنوات؟
الانتظار عبودية. لكن معنا نحن؟ كان الأمر خارجاً عن النص ومثيراً للسخرية!
يوم الخميس مساءً اتصلت والدتي ثم تبعها اتصال من والدة زوجي. نفس المكالمة تقريباً.. "تعالوا اهربوا عنا.. بيحكوا التسونامي جاي بكرا.. برضايّ عليكو تعالوا"!
لم نعد ندري بم نجيبهم! هل نقول بأنها أكاذيب وإشاعات وأنه لا مصدر حقيقياً موثوق به؟ هل نقول لهم: صحيح أن وكالات الأنباء الإسرائيلية روجت لهذه الإشاعة التي كان أساسها تخوف من الحفريات التي يقوم بها الجانب المصري في البحر، لكنه ثبت بأن لا أساس لها بشهادات الجيولوجيين المختصين؟ لكني قلت لهم: حسناً سنأتي! ليس هرباً من الإشاعة، لكن لتطمئن قلوبكم!
في منتصف اليوم الموعود، خرج علينا المحلل السياسي د.فايز أبو شمالة وأخبرنا بأن الأمر ليس إشاعة، وإن الموضوع فعلاً خطير وعلينا الاستعداد له بالغالي والنفيس. لا بل إنه قال إن إسرائيل تنوي إلقاء قنابل ذرية ونووية في البحر وعمل تسونامي اصطناعي!
أهي كذبة نيسان وقد تأخرت بما أن المناخ يتغير؟ أم هي إشاعة إسرائيلية نجحنا بامتياز بنشرها؟ وكانت عدوتنا ومحتلتنا تنوي من ورائها معرفة مقدار المعنويات التي يتحلى بها أهل غزة؟ ولكن ما يُضيرنا وقد مررنا بثلاث حروب؟ كان القصف فوق رؤوسنا ونخرج إليه من البيوت لنرى الصواريخ ومن أي نوع هي! كنا نجتمع في حلقة عائلية ونصنع الشاي والقهوة على الفحم، لانقطاع الغاز، ونضحك، وندندن بالأغاني والنكات. لم يهزمنا الموت ولا الذين ماتوا، أحبابنا وأصدقاءنا وأقاربنا، أخذوا قطعة من القلب وذهبوا، لم يهزمنا الوجع، فهل سيهزمنا الموج إن علا وغطى غزة؟!
هناك صور منتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي عن شبان ناموا ليلة الخميس بملابس الغوص! وآخرين تصوروا سيلفي من الميناء! لكن كل الكلام عبر عن اللامبالاة، لامبالاة يترجمها مثل يقول "أنا الغريق فما خوفي من البلل". فالكوارث التي تناوبت على القطاع ستجعل التسونامي أقل من أن يُثير "لطمنا وندبنا لحظنا". مرحباً تسونامي!