أشعل سيجارته الأخيرة، وراح يبحث في ركوة القهوة عن بعض البقايا بعد أن شرب ما فيها حتى آخر قطرة، فليله كان طويلاً جداً، بعد أن حرمه التفكير لذة النوم، حيث جفاه النعاس كما تجافيه الحياة في كل مرة يذهب بها للبحث عن عمل. تهاوى على كرسيه مثقلاً بالهموم، مطرقاً برأسه نحو الأرض، تأخذه الأفكار يمنة ويسرة. ماذا يفعل؟

لم يترك باباً إلا طرقه، باحثاً عن عمل يدرّ عليه وعائلته ولو القليل من المال، يعينه على مصاعب الدنيا. أمسك سيجارته بإصبعين يرتجفان، وما زالت كلمات ابنته الصغيرة ترن في رأسه: "شو يا بابا خلصت عطلة الربيع وأنت ما اخذتنا على محل"! ابتسم ابتسامة المهزوم، محدثاً نفسه "لوين يابا بدي أخدكو؟".
كلمات كان لها في نفسه وقع مرير. فهو منذ فترة طويلة عاطل عن العمل مع أنه "صنايعي وشاطر"، لكن للأسف كانت جنسيته تقف حجر عثرة في وجهه دائماً.
يستذكر آخر مرة ذهب فيها إلى مصنع للحديد الصلب في منطقه قريبة من طرابلس، استدان أجرة الطريق، وتوكل على الله، ممنياً نفسه بالعمل، خاصة أن ما يسعى إليه ضمن اختصاصه. قابل مسؤول المصنع، الذي رحب به أجمل ترحيب، بعد أن أبرز شهاداته في المهنة، وخبرته، قائلاً له: "احنا بدنا معلم مثلك، أعطني ال cv تبعك وهويتك لو سمحت". تهلّلت أساريره فرحاً، ورقصت جوارحه طرباً، فأخيراً سيجد عملاً، وستحل كل مشاكله المالية، ورح تفرج. أقسم أنه سيعمل بكل جهد ممكن وبكل إخلاص، لكن هذه الفرحة سرعان ما تلاشت، وتلك الأحلام الجميلة ماتت في مهدها. حين نظر إليه المعلم وهو يقلب الهوية الزرقاء بين يديه "حضرتك فلسطيني، ومن مخيم نهر البارد كمان؟"، قالها وهو ما زال يقلب ببطاقه الهوية يميناً وشمالاً. "أنا بعتذر منك ما بقدر أشغلك عندي"، محاولاً التبرير "أنت عارف بييجو عنا كبسات عشان إجازة العمل، وانت كونك فلسطيني ما بيطلعلك إجازة عمل، ولو كنت سوري ممكن. أنا بعتذر منك"، معيداً إليه أوراقه.
"يا معلم بترجاك والله أنا بحاجة للعمل جربني وشوف، إذا ما عجبتك ما تخليني ولا ساعة، عندي عيلة وبدها تعيش، أرجوك". يرد عليه بأسف صادق "صدقني ما فيني بينخرب بيتي، هيك القوانين لازم يكون معك إجازة عمل". يفكر قليلاً ثم يقول له "طيب يا معلم بس يجو بتخبى، والله ما بخليهن يشوفوني، أنت جربني". فيرد عليه "يا خيي ما بقدر أشغلك خلص خلصنا بقى تسهل الله معك".
هو الفلسطيني الممنوع من العمل، وربما الممنوع من حق العيش والسعادة. هو الفلسطيني على مر الأجيال. منذ اللجوء الأول من فلسطين والمعاناة مستمرة، ومتوارثة من جيل إلى آخر، فها هو جده الأول يروي حكاية خطرت بباله الآن عندما أراد أن يعمل عند أحدهم في الزراعة، فكان يأتي ويجلس يراقبهم من بعيد حتى ينتهي العمل، ليفتح لهم البوابة، ويجري مسرعاً إلى أن ناداه أحد العمال يوماً "يا عمي قرب لجاي، شو مالك كنك خايف مننا؟ الله وكيلك يا عمي إحنا بشر زينا زيك"، وبعد تردد يقترب صاحب الأرض منهم بحذر، ليقول لهم بلهجته: "ما تواخذوني صراحة بقولو إنو الفلسطينية إلهن ذيول". ضحك الجميع من قوله مما حدا بأحدهم لخلع شرواله ليريه أنه إنسان من دون ذيل وليس حيواناً.
مرت بخاطره تلك الحكاية، وهو يمد يده ليأخذ أوراقه كمن يحمل ورقة إعدامه، وابتسم ابتسامة صفراء تخفي وراءها كل مرارة الدنيا، وخرج منكسراً يمشي بتثاقل متمتماً في نفسه بعض اللعنات على حظه العاثر، صاب جام غضبه على "سايكس بيكو" نشأة، ومولداً، ومماتاً، وعلى حظه العاثر، وعلى هذه البطاقه الزرقاء الملعونة، ربما تمنى وقتها أن يكون سيريلانكياً، أو أثيوبياً، أو لاجئاً سورياً. وقتها من الممكن أن يجد من يعطف على حاله، ويساعده في أعباء هذه الدنيا.
مشى بخطى متثاقلة، جاراً ذيول الخيبة والانكسار.
تذكر كل ذلك، وهو ينفث دخان سيجارته الأخيرة التي تمنى ألا تنتهي بسرعة. ماذا يفعل، وأين يذهب، وكيف سيتدبر أمره؟ فعزة نفسه لا تسمح له بالشكوى، فالشكوى لغير الله مذلة، كان قد استبشر خيراً عند البدء بإعمار مخيمه، كما العديد من الشبان العاطلين عن العمل.
لم يترك أحداً إلا وطرق بابه، مستنجداً به، ومتوسلاً مساعدته في عمل يستر به نفسه، وأهله. كان عملاً متقطعاً نتيجه البطء في الإعمار، والمحسوبيات إلى أن أوقف نهائياً، بعد أن شح تمويل الإعمار، والاستغناء عن العمال، واستبدال بعضهم باليد العاملة القادمة من سوريا، كونها أرخص من اليد العاملة الفلسطينية.
طرق أبواباً كثيرة، لكن جميعها كانت مقفلة في وجهه، هو نموذج بسيط وحالة من الحالات التي ما زالت تبحث عن بعض من كرامة في بلاد الكرامة، وإغاثة الملهوف، وبلاد العرب أوطاني من الشام لبغداد، ومن نجد إلى اليمن إلى مصر فتطوان. وتصبحون على كرامة.