نابلس | انتهى وقت العمل، وأتى وقت الطريق لقطع المسافة بين مدينتي نابلس ورام الله. الوقت لا يمكن إدراكه إلا بعد ركوب الحافلة. فحاجزا زعترة وحوارة يتكفلان بشكل شبه يومي، بإطالة الطريق التي تتطلب ساعة بالحافلة، إلى ثلاث أو أربع ساعات أحياناً، فالجنود هناك يطيب لهم أن يغلقوها، ولن يكون أمامي سوى اللجوء للطرق الالتفافية.

قبل أيام، شكوت لصديق فلسطيني مقيم في بيروت طول مسافة الطريق ووجعها، اتسع صدره بما يكفي لاحتمال هذا الألم وحاول مواساتي بأن طلب مني التقاط صور متفرقة للطريق بين المدينتين، صوراً من البلاد التي يحب، لعلها تخفف ما يعتريني من حنق.
اهتزت الحافلة واهتزت معها أجساد الركاب وترنحت يميناً ويساراً مع كل منعطف، لكن بدت فكرة التقاط الصور مذهلة. فهي كفيلة بمنع النعاس من أن يتسلل إلي فأغط مثل كل يوم في سبات عميق.
رفعت هاتفي المحمول وانتقيت أجمل المشاهد، بدأت من مدينة رام الله، حيث الصورة الأولى لشارع الإرسال المبلل بقطرات مطر نيسان، والناس يتراكضون كلما اشتد الهطول، وأنهيتها بصورة بوابة منزلي في نابلس؛ بعد ساعتين ونصف قضيتها في الطريق.
وصلت غرفتي، ورحت أقلب ما التقطت، كأنها ليست البلاد التي أشاهدها يومياً منذ خمسة أعوام، كأني لا أعرفها، الصور أجمل بكثير من الواقع...
في إحدى الصور، ثمة جندي واحد وفقط، يجلس في "كولبته" الصغيرة تروح عيناه وتجيء، يراقب أمراً ما منا نحن أهل البلد، لكن الصورة لم تظهر المستوطنات الجاثمة على قمة الجبل المحاذي كفطر عفن يشوه جمال الأرض.. جندي واحد في الصورة، وفي الواقع هناك الكثير الكثير من الجنود.
في صورة أخرى، لم يكن إلا فلسطينيون، يضجون بأمل ما يبحثون عنه، فلو وضعت تلك الصور في صالة عرض ما بأي مكان من هذا العالم، فلن يقال عن هؤلاء إلا أنهم أبناء مدن وأرياف يحيون يوماً طبيعياً، فيه القليل من المطر، لن يخطر في بال أحد أن هؤلاء يرزحون تحت نير الاحتلال.
صحيح أن صوري أوقفت زمن هؤلاء، لكنها لن تقدر على إيقاف زمن المكان، فخارج إطار هذه الصورة سيتم توقيف أحدهم على الحاجز، ويخضع لتفتيش مذل، وقد يعتقل، ولا يصل إلى عائلته، ويصبح أسيراً إدارياً، ولاحقاً قد يصبح خبراً عاجلاً على المحطات الفضائية، حين يضرب عن الطعام لينال حريته، وهكذا..
لكن البعض الآخر، سيكمل طريقه ويصل الى أسرته متأخراً، ومعدات الأطفال غالباً ستكون قد غردت وشدت بألحان الجوع، لرفضهم تناول طعامهم من دون والدهم، سيصل وسيفرحون به، وستبقى زوجته على أمل أن يصل في الغد ولو متأخراً..
دخلت في سرد طويل عن احتمالات ممكنة، وهناك سرد آخر لا بد منه، الجندي الوحيد في الصورة، لو انتبه لكاميرتي، لاعتقلني.
أرسلت الصورة تلو الأخرى، ولم تشبع روحي من الطريق، "يا إلهي لو كان الواقع هكذا كما في الصورة، بلا مستوطنات بلا مستوطنين وجنود"..
حاولت في ما التقطت من صور أن أتجنب إظهار الأعداد الكبيرة من أعلام الاحتلال، التي علقوها على أعمدة الكهرباء المقامة على جنبات الطريق، تذكرت نكبتنا واستقلالهم، كيف سكنوا فوق وجعنا، بعد أيام ستراهم ينتشرون في الشوارع كالبراغيث، يتقافزون فرحاً في شوارعنا يتنفسون هواءنا، ويحللون لهم من بلادنا ما يحرمونه علينا.
عادة ما يقف المستوطنون على الأطراف، يقومون بحركات مسيئة ومستفزة، نكمل طريقنا ببساطة، لأن أي ردة فعل من قبلنا ستقابلها رصاصة واحدة ربما أو أكثر تردينا شهداء، لن يتوانى الجنود عن إطلاق النار، لمجرد رد الشتيمة بالشتيمة، ولو بأقل منها.
بعض المستوطنين يرجمون الحافلات بالحجارة، واحتمال الإصابات ممكن، يمكن أن تكون إصابتك مباشرة، أو في حال انكسر زجاج الحافلة، في بعض الأحيان يحاول السائق الإسراع، لكن إن كان حظه عاثراً، وجد أمامه آلية لجيش الاحتلال تتمشى الهوينى، فيضطر للسير خلفه وعدم تجاوزه، وبالطبع احتمال كل ما قد يحدث من المستوطنين خلال هذا المسير، واحتمال توقف "الجيب" وفعل كل ما يمكن لحماية المستوطنين المهاجمين وارد.
لا جديد ربما بكل ما ذكرت، الجديد فقط، أن الطريق لم تعد أجمل من الوصول كما يدّعي الشعراء، الطريق من رام الله إلى نابلس أجمل فقط في الصورة.