لا يمكن المرور مرور الكرام على التصريح الذي أطلقه رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق بني غانتس، في كلمته أمام «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل أبيب، حول التحديات الإستراتيجية لإسرائيل، بعدما بيّن أنه ردّ على شخصيات بارزة في الساحة الدولية سألته عن الخطر الأكبر الذي تواجهه «الدولة العبرية»، فقال: «أجيب دون تردد، إن إسرائيل هي الخطر الأكبر على نفسها؛ أكبر التحديات التي تواجهها هي التربية والتعليم والانقسامات في المجتمع وعدم المساواة...».

خلال الهبّة الشعبية الجارية، وما قبلها، كانت بعض الانفجارات في الأراضي المحتلة توحي ببدء موجة عمليات جديدة، ثم يتبين أنها جزء من الصراع الخفيّ. وبالعودة إلى الوراء قليلا، فإن وثائق «ويكيليس» المنشورة عام 2010، كشفت عن تحدّ من داخل التحدي الذي حذر منه غانتس، وذلك في برقية أرسلها السفير الأميركي آنذاك، جيمس كانيغهام، إلى وزارة الخارجية الأميركية و«مكتب التحقيقات الفدرالي ــ إف بي آي)، حذر فيها من «الجريمة المنظمة في إسرائيل، وخطورة تناميها على الولايات المتحدة».
يرِد في نص البرقية (وفق صحيفة «يديعوت أحرونوت» 12-02-2010)، أن «جذور الجريمة المنظمة موجودة منذ زمن في إسرائيل، لكنها في السنوات الأخيرة، تنامت بصورة حادة جدا».
ولفت كانيغهام إلى أن «الأجهزة الأمنية والقضاء الإسرائيليين، يعملان على مواجهة هذا الواقع، لكنهما غير قادرين على إنهائها (الجريمة المنظمة)»، مضيفا أن «الخطر على الولايات المتحدة قائم وجدي... عدد من ناشطي عائلات الجريمة المنظمة الإسرائيلية يحملون جوازات سفر أجنبية تسمح لهم بالتحرك بحرية في الدول الأوروبية، ومعظمها جنسيات معفاة من تأشيرة الدخول إلى أميركا». كما لفت ذلك السفير إلى أن سفارة بلاده «تعمل على منع المجرمين من الوصول إلى الولايات المتحدة، لكن هذه المحاولات لا تنجح دائما».
برقية كانيغهام التحذيرية، وإن كانت مخصصة للسلطات المعنية في بلاده، فإنها تكشف مسلّمتين حول عائلات الجريمة المنظمة في إسرائيل: إنها متجذرة وتزداد قوة وحضورا، كما أنها قادرة على التوسع بسهولة إلى الخارج. والبرقية تكشف أيضا، عن تغلغل عائلات الجريمة هذه في المؤسسة الرسمية الإسرائيلية، ويرد فيها أن «السفارة غير قادرة على تأمين معطيات حول حجم ومستوى تغلغل هذه التنظيمات في المؤسسات الإسرائيلية، وحجم نجاحها في تجنيد المسؤولين».
تجذّر الجريمة المنظمة في إسرائيل، وعلاقاتها بالمؤسسة العسكرية، قضيتان تناولهما الإعلام العبري منذ مدة طويلة، فقد أعادت صحيفة «هآرتس» بتاريخ 05-12-2008، نشر تحقيق موسع في عام 1977 للصحافي آفي فالنتين، ضمن سلسلة من المقالات، أكد فيه أصل وجود الجريمة المنظمة في إسرائيل، التي كانت الشرطة آنذاك ترفض الحديث عنها، ليشير إلى أنها على علاقة مع «شخصيات عامة محترمة»، وكذلك مع ضباط رفيعي المستوى في الجيش، وهو التحقيق الذي تستند إليه كل الكتابات الإسرائيلية حول الجريمة المنظمة، في إطار عرضها التاريخي.

ثلاثون عائلة بتركيب هرميّ

حاليا، تشير معطيات الشرطة الإسرائيلية إلى وجود أكثر من ثلاثين عائلة إسرائيلية تدير الجريمة المنظمة. وهو عدد كبير جدا، نسبة إلى التعداد السكاني والمساحة الجغرافية، قياسا بدول أخرى في العالم. وبحسب معطيات الشرطة، يرأس كل عائلة شخصية هي في الغالب الأعم غير معروفة لدى العاملين فيها سوى لقلة قليلة منهم. وذكر ضابط رفيع في الشرطة الإسرائيلية للقناة الثانية العبرية (15 ــ 06 ــ 2015)، أن هؤلاء «يعملون بشكل شبيه جدا ببارونات الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة، وبشكل حرفي جدا ومدروس مع توزيع للمهمات، مع وجود جيش من المقاتلين القادرين على تنفيذ المهمات الصعبة... كل عضو في العائلة لديه دور محدد لا يتداخل مع دور الآخرين، وهو الأمر الذي يصعّب على الشرطة تعقبهم».

تضارب المصالح حول «قطاع الصيرفة» أدى إلى «حروب تصفية بينية»

وتوزع العائلات المذكورة نطاق السيطرة الجغرافي والقطاعي في ما بينها على كامل مساحة فلسطين المحتلة، من الشمال والوسط والجنوب، مع وجود عائلات فرعية أقل شأنا لكنها تقدّر أيضا بالعشرات، ويمكن تسميتها «العائلات المحلية»، وهي تشتغل في نطاق المخدرات والدعارة وتبييض الأموال، وأيضا في مجال المراباة وتحصيل الديون وفرض الخوّات وإدارة عمليات القتل المأجورة. واللافت أن أفراد العائلة، تحديدا الطبقة المتوسطة والأدنى، يتلقون رواتب شهرية محددة مسبقا، ولا علاقة لها بالعائدات الضخمة التي ترد إلى المنظمة.
ويدير المنظمة عادة زعيم العائلة، وهو الموجه والقائد لأنشطتها، فيما يحافظ «ضابط العمليات» على استمرار العصابة وفعاليتها، ويتحمل مسؤولية تنفيذ توجيهات الزعيم، أما أمين الصندوق، فهو المسؤول عن حفظ الأموال وعمليات غسليها، فيما المهندس مسؤول عن تأمين وصنع العبوات الناسفة والتزود بالأسلحة وتجنيد المقاتلين وتدريبهم. يأتي بعد ذلك «القرود»، وهي التسمية التي تطلق على الذين يدخلون السجون بعد اعترافهم بأفعال لم ينفذوها منعا لاعتقال أشخاص آخرين، إضافة إلى محصّلي الديون وصولا إلى الحماية والسعاة والقتلة وزارعي العبوات... إلخ.
والملاحظ أن أنشطة العائلات تُدار بصورة فوقية، ومنها ما يدار من السجون، وأيضا من الخارج بعد فرار زعيم العائلة خشية الملاحقة من الشرطة أو من العائلات الأخرى. وأهم هذه العائلات: البيرون، وشالوم دومراني، وابرغيل، وصموئيل هروش، وميخائيل مور، وريكو شيرازي، وعامير مولنير، وأبو كليب، وأبو تبول، وآفي روحان، وموسلي، وليفا، ونيف زغوري... يضاف إليهم، «الجريمة المنظمة» و«العالم التحتي» الآتون من روسيا مع الهجرة اليهودية الموسعة من دول الاتحاد السوفياتي السابق في التسعينيات.
في هذا السياق، وضعت صحيفة «الغارديان» البريطانية (16‏ ــ 07‏ ــ 2013) ابرغيل كعينة مختارة من العائلات الإسرائيلية، ضمن عائلات الجريمة المنظمة الخمس الكبرى والأقوى في العالم، جنبا إلى جنب مع عائلات جريمة منظمة مكسيكية وإيطالية، مشيرة إلى أن ابرغيل تنشط في ترويج المخدرات ليس في إسرائيل فقط، بل أيضا في الولايات المتحدة وبلدان أخرى. وهي «إلى جانب انشغالها في أعمال القمار غير الشرعي والابتزاز، من أكبر مصدّري حبوب الهلوسة في العالم، تحديدا حبوب الإكستازي والعقارات الشبيهة بها». وتشير معطيات الشرطة الإسرائيلية، إلى أن يتسحاق ابرجيل، المسجون حاليا في الولايات المتحدة، يدير من السجن عائلاته كالمعتاد، بلا أي تغيير في نطاق السيطرة والنفوذ والقدرة التشغيلية في عائلته.

العائدات بالمليارات

قسم التحقيقات المركزي في الشرطة الإسرائيلية (الأبحاث)، يقدر في الإطار، أن قيمة العائدات المالية لعائلات الجريمة المنظمة، زادت عن مليار دولار حتى منتصف العقد الماضي، لكن ما بعد 2013، طرأت زيادة ملحوظة على حجم العائدات، الأمر الذي يشير إلى تزايد الأعمال الإجرامية باطراد. وحاليا، تقدر الشرطة الإسرائيلية أن حجم العائدات هو عشرات المليارات من الدولارات سنويا، وهذه الأعمال تتركز على جملة من الأنشطة الجديدة التي دخلت حيز اهتمام الجريمة المنظمة في إسرائيل، وهي إدارة القمار على شبكة الإنترنت، والسيطرة على سوق الصرافة محلياً، إضافة إلى السيطرة على قطاعات وأعمال تجارية تتميز بالدخل النقدي العالي، مثل: المطاعم والحانات والكازينوهات.
إلى ذلك، ينقل الإعلام العبري تداخل وتضارب مصالح بين العائلات حول «قطاع الصيرفة» تحديدا، في كل المناطق الإسرائيلية، وهو الاسم المعروف لعمليات تبييض الأموال ونقلها وتحويلها من فلسطين المحتلة وإليها. وبدا أنه القطاع الأكثر ربحا لدى العائلات، ويصل وفق معطيات الشرطة إلى المليارات سنويا. هذا التضارب جر على العائلات حروب تصفية بينية في السنوات الأخيرة، أدت إلى قتل عدد كبير منهم، وتبدل في النفوذ والسيطرة في عدد من المدن والأقضية، وأيضا إلى ظهور أو توسع عائلات على حساب أخرى، بما يشبه عمليات واقع عائلات الجريمة المنظمة في شيكاغو، خلال القرن الماضي.
أخيرا، فإنه في القرى والبلدات العربية، تنشط عائلات جريمة منظمة، لكنها مفصولة لناحية الانتشار والمزاحمة مع الجريمة المنظمة اليهودية، لاختلاف الساحات وأماكن النفوذ. وتذكر بيانات الشرطة الإسرائيلية، من بين هذه العائلات، عائلة الحريري من مدينة الطيبة، التي تنشط في قطاع القمار شمالا، وعائلة الجواريش من اللد، التي تنشط في جباية الخوات والابتزاز، إضافة إلى عائلة عبد القادر والحاج يحيى وغيرها.



العبوات الناسفة تأتي من الجيش
كشف المدير العام لشرطة الإسرائيلية، يوحنان دانينو (11-02 ــ 2014)، عن أن الجيش الإسرائيلي هو المغذي الرئيسي لوسائل القتل التي تستخدمها عصابات الجريمة المنظمة في المدن الإسرائيلية لتنفيذ عمليات الاغتيال، ولا سيما العبوات الناسفة. وأضاف دانينو، أن الشرطة تنظر بخطورة إلى تزايد عدد التفجيرات الجنائية، الناتج تحديدا من تسيّب كبير لدى الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يلحق ضررا بالغا لدى الإسرائيليين ويمنعهم من الشعور بالأمن في منازلهم ولدى تجوالهم في الشوارع. كما لفت إلى أن العبوات التي يجري تفجيرها في المدن الإسرائيلية، وهي عبوات ذات نوعية جيدة وفتاكة، يحصلون عليها من مخازن الجيش، عبر السرقات التي ينفّذها الجنود، ثم يعملون على بيعها في «سوق الجريمة السوداء».




50 ألف دولار لكل عملية اغتيال
نفذت عائلات الجريمة المنظمة في إسرائيل عشرات عمليات الاغتيال والتصفية في ما بينها، وضد آخرين تجاوزوا الخطوط الحمر. ففي السنوات الثلاث الماضية، وتحديدا في منطقة الوسط وتل أبيب. لم تصل تحقيقات الشرطة في معظم هذه الحالات إلى الموجّه والمخطط الرئيسي للعمليات، فقد عمدت العائلات إلى ابتكار خطط تنفيذية جديدة مغايرة للماضي، تتمثل في تبادل المنفذين أو عمليات القتل بالوكالة.
ووفق تقديرات الشرطة، تطلب إحدى العائلات من عائلة أخرى تعمل في منطقة مغايرة لمنطقة نفوذها، تنفيذ عمليات القتل بدل عائد مالي، الأمر الذي يبعد عنها الأدلة وإمكانات توجيه اتهام ضدها. والتسعيرة المعتمدة لدى العائلات، بحسب تقديرات الشرطة، هي 50 ألف دولار لعملية الاغتيال الواحدة، وعادة تجري عبر زرع عبوة ناسفة في سيارة القتيل، وهو الأمر الذي أدى إلى استحداث منظمات عالم سفلي جديدة، تعنى بصنع العبوات أو شرائها من الجنود الذين يسرقونها من مستودعات الجيش، ثم بيعها للعائلات. وإذا كان مصدر السلاح ومنفذ الاغتيال خارج إطار العائلة، فعادة لا تصل التحقيقات سوى إلى المنفذ بالوكالة، لا أكثر.