لا أحد يعلم ما كان يجول في خاطر المسعف الفلسطيني ناصر بركات عندما أمطر الجنود الإسرائيليون سيارة الإسعاف التي كان يستقلها بوابل من الرصاص. لم يُسمع في ذلك اليوم سوى صراخه: «المصاب مات... صفّى دمو». ألم يفكر في ابنته الرضيعة التي قد تحكم رصاصة إسرائيلية، طائشة أو مقصودة، عليها أن تعيش اليتم مبكراً؟ وحده ناصر (47 عاماً) يحتفظ بالإجابة. لكن بماذا يفكر الآن وهو يرقد في المستشفيات المصرية وحيداً، وقد نهش السرطان ما تبقى من كبده، فيما يبحث زملاؤه في شوارع غزة ومحالها عن مزيدٍ من المتبرعين كي ينقذوه من الموت؟

رقية، ابنة المسعف ناصر بركات، هي الوحيدة التي ضحكت حين دخلنا منزلهم المتواضع. أبناؤه السبعة أنهكهم الترقب والانتظار. ابنة الثلاثة أعوام ظنّت أننا فريق قناة أطفال جاء لتصويرها، فهي لم تعرف بعد معنى مرض السرطان الذي أصاب كبد والدها، لذلك تستمر في مشاغبتها غير آبهة بحزن الكبار.

جمع زملاء ناصر بركات سبعة آلاف دولار من أصل 40 ألفاً هي تكلفة العملية

يصفه زملاؤه بأنه «أشهر من نار على علم»، ويعرفه أبناء مدينة رفح، جنوبي غزة، جيداً، فقد حضر كل ميادين الانتفاضة الثانية منذ بدايتها عام 2000. يستذكر تيسير ماضي، وهو مدير «وحدة الإسعاف» في مستشفى أبو يوسف النجار (جنوب)، كيف اشتبك ناصر بالأيدي مع الجيش الإسرائيلي في منطقة الدهنية، أثناء محاولته إسعاف أحد المصابين. يقول ماضي: «لم أرَ في حياتي رجلاً يرمي بنفسه على الموت بهذه الجرأة. أصيب مرتين واعتقل واحدة، ولم يتأخر يوماً عن عمله».
قبل أحد عشر شهراً حكم القدر أن يدخل اسم ناصر بركات في كشوف تحوي قرابة 13 ألف مريض بالسرطان في غزة. وبعد عناء طويل بانتظار أن يفتح معبر رفح البري، تمكن من السفر برفقة زوجته ووالدته إلى مستشفى «معهد ناصر» في مصر، لأن حالته الصحية المتأخرة فرضت ضرورة إجراء عملية زراعة كبد لإنقاذه من خطر الموت الذي أضحى داهماً. لكن ابنته طالبة التمريض، سارة، وفّرت عن العائلة عناء البحث عن متبرع أو بائع للكبد، بعدما أظهرت الفحوص الطبية صلاحية أن تتبرع الفتاة بكبدها لوالدها، رغم ما لذلك من خطورة محتملة على حياتها وصحتها. لكنّ أزمة المال هي التي تقف الآن حائلاً أمام إجراء العملية.
يقول الستيني توفيق بركات (شقيق ناصر)، إن العائلة حصلت على «تحويلة طبية تغطي تكاليف العملية من دائرة العلاج في الخارج، ولكن عملية زراعة الكبد لا يمكن إجراؤها في مستشفى معهد ناصر الذي تغطيه تحويلة السلطة» الفلسطينية، وهو ما اضطر العائلة إلى التوجه إلى مستشفى متخصص في زراعة الكبد. لكن مستشفى «المنوفية» الخاص لا تغطيه تحويلات السلطة، خاصة أن إدارتها طلبت أربعين ألف دولار، ورفضت الشروع في إجراءات العملية قبل توافر المبلغ كاملاً.
وفي محاولة لإنقاذ بركات، شرع زملاؤه المسعفون في تنظيم حملة فردية لتوفير المبلغ، لأن الإجراءات الحكومية تحتاج إلى مدة طويلة، في حين تزداد صحة الرجل تدهوراً. تقول صبحية بركات إن حالة شقيقها تزداد سوءاً، بعدما اضطر الأطباء مؤخراً إلى إجراء عمليات سحب للسوائل المتراكمة على الكبد، مع أن الطاقم الطبي أكد أن تكرار هذه العملية من الممكن أن يؤدي إلى وفاة المريض.
ويزداد الأمر صعوبة عندما نعلم أن رحلة جمع المال لم تصل حتى اللحظة سوى إلى سبعة آلاف دولار، جلها تبّرع بها زملاؤه عبر بيع متعلقاتٍ شخصية، منهم المسعف «أبو العبد»، الذي لم يجد إلا بيع دراجته النارية ليتبرع بثمنها.
ومرض السرطان هو ثاني أكبر مسبّب للوفاة في قطاع غزة. ووفقاً لتقرير أصدره «المركز القومي لرصد الأورام»، بلغ عدد حالات السرطان الجديدة التي تم رصدها وتسجيلها ما بين 2009 ــ 2014 7069 حالة جديدة، نحو ألف منها سجلت في 2014 فقط. فهل يجد ناصر بركات، المسعف الذي أنقذ أرواح مئات المصابين على مدار ستة عشر عاماً، من ينقذه اليوم؟